تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
ولا متناهية ، ولم تزل للإسلام سيفا قاطعا ماضيا ، وعلى الإلحاد سيفا مرهفا قاضيا ، تذود الشرك عن التوحيد ، وتصدّ الكفر عن الإيمان فيحيد مرغما ويبيد ؛ وكم لك في خدمة أئمة الهدى من مأثرة تؤثر فتبهج ويورد ذكرها فيغري بالثناء عليك ويلهج ، وتبذل في طاعتهم النفس والولد ، وتنتهي في مناصحتهم إلى الأمد الذي ليس بعده أمد ؛ فلذلك فزت بدعواتهم التي أعقبتك حسن العواقب ، وأحلَّتك المحلّ الذي لا تسموا إلى رقيّه النجوم الثّواقب ؛ فإذا رفعك أمير المؤمنين إلى منزلة سامية ، وجد محلَّك لديه عنها يجلّ ويسمو ، وإذا خصّك بفضيلة ما ، صادف استحقاقك عنها يرتفع ويعلو ، وإذا استشفّ خصائصك ، وجدها بديعة الكمال ، يمتنع أن يدرك مثلها بحرص ساع أو ينال ؛ وقد توافقت الخواطر على أنك أوحد وزراء الدولة العلويّة ظفرا ونظرا ، وأحسنهم في طاعتها ومخالصتها أثرا ، وأفضلهم خبرا وأطيبهم خبرا ؛ وقد جدّد لك أمير المؤمنين اصطفاءك لوزارته ، واجتباءك لتدبير مملكته ، وجعلك الفرد المشار لك في دولته . فتقلَّد ما قلَّدك أمير المؤمنين من هذه المهمّات الجسام ، وتسنّم ما وطَّده لك من هذه الرّتب العظام ، وتلقّ آلاءه بما يثبتك في جرائد الأبرار ، ويمنحك مصاحبة التوفيق في الإيراد والإصدار ، وباشر ما ناط إليك من كبير الأمور وصغيرها ، وجليل الأحوال وحقيرها ، وابسط يدك في تدبير دولته ، وأنفذ أوامرك في أرجاء مملكته ، وأعن بما جعله لك من تدبير جيوشه الميامين وأوليائه المتّقين ، وكفالة قضاة المسلمين وهداية دعاة المؤمنين ، وربّ أحوال جنوده ورعاياه أجمعين ، واعمل في ذلك بتقوى اللَّه الذي ما برحت لك دأبا وطريقة ، وشيمة وخليقة ، وبها النجاة من النار ، والسّلامة في دار القرار ، والفوز بمعنى الخلاص ، في يوم المناقشة والقصاص ؛ فالعارف من مهّد بها مقامه في الآخرة تمهيدا ، وأحرز بها من الثواب في الآخرة مزيدا ، بقول اللَّه في الكتاب الذي جعله في الإعجاز فريدا : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ) * ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الأحزاب / 70 .