أمورهم نظرا حسنا تامّا ، مساويا بينهم في نظره ولحظه ، وإصغائه ولفظه ، محترزا من ذي اللَّسن وجرأة جنانه ، متأنّيا بذي الحصر عند إقامة برهانه ، فربّما كان أحد الخصمين ألحن بحجّته ، والآخر ضعيفا عن مقاومته ، هذا مقام الفحص والاستفهام ، والتثبّت ( 1 ) وإمضاء الأحكام : ليسلم من خديعة محتال ، وكيد مغتال ، مائلا في جميع ذلك مع الواجب ، سالكا طريق العدل اللَّاحب ، غير فارق في إمضاء الحكم بين القويّ والضعيف ، والمشروف والشريف ، والمالك والمملوك ، والغنيّ والصّعلوك ، قال اللَّه تعالى : * ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَا لله أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) * ( 2 ) . وقال سبحانه وتعالى : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) * ( 3 ) .
وأمره أن يتصفّح أحوال الشهود ، المسموعة أقوالهم في الحقوق والحدود ، المرجوع إلى أمانتهم ، المعمول بشهادتهم ، الذين بهم تقام الحجج وتدحض ، وتبرم الأحكام وتنقض ، وتثبت الدّعاوى وتبطل ، وتمضى القضايا وتسجّل ، مجتهدا في البحث عن طرائقهم وأحوالهم ، وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم ، واستشفاف سجاياهم ، وعرفان مزاياهم ، مخصّصا بالتمييز من كان حميد الخلال ، مرضيّ الفعال ، راجعا إلى ورع ودين ، متمسّكا من الأمانة والنّزاهة بالسبب المتين ؛ قال اللَّه تعالى : * ( وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * ( 4 ) .
وأمره بالنظر في أمور اليتامى وأموالهم ، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم ، وأن يرتّب بسبب اتّساق مصالحهم الثّقات الأعفّاء ، والأمناء الأتقياء ، ممن ظهرت ديانته ، وحسنت سريرته ، واشتهر بالظَّلف والعفاف ، والتنزّه عن الطمع والإسفاف ، ويأمرهم بحفظها من خلل يتخلَّلها ، ويد خائنة تدخلها ؛ وليكن عليهم
هامش
( 1 ) في مآثر الإنافة « والتثبت في إمضاء الأحكام » .
( 2 ) النساء / 135 .
( 3 ) المائدة / 44 .
( 4 ) الطلاق / 2 .