تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
اللائقة بذوي الأحساب : فإنّ شرف الأعراق ، محتاج إلى شرف الأخلاق ؛ ولا حمد لمن شرف نسبه ، وسخف أدبه ، إذ كان لم يكسب الفخر الحاصل له بفضل سعي ولا طلب ، ولا اجتهاد ولا دأب ، بل بصنع من اللَّه عز وجلّ له ، ومزيد في المنّة عليه ، وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطيّة ، والاعتداد بما فيها من المزيّة ، وإعمال النّفس في حيازة الفضائل والمناقب ، والترفّع عن الرّذائل والمثالب . وأمره بإجمال النّيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النظر في المظالم ، والأخذ للمظلوم من الظالم ، وأن يجلس للمترافعين إليه جلوسا عامّا ، ويتأمّل ظلاماتهم تأمّلا تامّا ؛ فما كان منها متعلَّقا بالحاكم ردّه إليه ، ليحمل الخصوم عليه ، وما كان طريقه طريق الغشم والظَّلم ، والتغلَّب والغصب ، قبض عنه اليد المبطلة ، وثبّت فيه اليد المستحقّة ، وتحرّى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل ، ومجانبة للخذل ، فإنّ غايتي الحاكم وصاحب المظالم واحدة : وهي إقامة الحق ونصرته ، وإبانته وإنارته ، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر : إذ الحاكم يعمل على ما ثبت وظهر ، وصاحب المظالم يفحص عمّا غمض واستتر ، وليس له مع ذلك أن يردّ لحاكم حكومة ، ولا يعلّ له قضيّة ، ولا يتعقّب ما ينفذه ويمضيه ، ولا يتتّبع ما يحكم به ويقضيه ، واللَّه يهديه ويسدّده ، ويوفّقه ويرشده . وأمره أن يسيّر حجيج بيت اللَّه إلى مقصدهم ، ويحميهم في بدأتهم وعودتهم ، ويرتّبهم في مسيرهم ومسلكهم ، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم ، حتّى لا تنالهم شدّة ، ولا تصل إليهم مضرّة ، وأن يريحهم في المنازل ( 1 ) ، ويوردهم المناهل ، ويناوب بينهم في النّهل والعلل ، ويمكَّنهم من الارتواء والاكتفاء ، مجتهدا في الصّيانة لهم ، ومعذرا في الذّبّ عنهم ، ومتلوّما على متأخّرهم
هامش
( 1 ) في مآثر الإنافة « وأن يرعاهم في المنازل » .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 261 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين