والإدالة ، لا الإذالة ، وإذا وجبت عليهم الحقوق ، أو تعلَّقت بهم دواعي الخصوم ، قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب ، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس ؛ ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمر اللَّه به فيها ، بعد أن تثبت الجرائم وتصح ، وتبين وتتّضح ، وتتجرّد عن الشكّ والشّبهة ، وتتجلَّى من الظنّ والتّهمة ، فإن الذي يستحبّ في حدود اللَّه أن تدرأ عن عباده مع نقصان اليقين والصّحّة ، وأن تمضى عليهم مع قيام الدليل والبيّنة . قال اللَّه عزّ وجل : * ( ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * ( 1 ) .
وأمره بحياطة هذا النّسب الأطهر ، والشّرف الأفخر ، عن أن يدّعيه ( 2 ) الأدعياء ، أو يدخل فيه الدّخلاء ؛ ومن انتمى إليه كاذبا ، وانتحله باطلا ، ولم يوجد له بيت في الشّجرة ( 3 ) ، ولا مصداق عند النّسّابين المهرة ، أوقع به من العقوبة ما يستحقّه ، ووسمه بما يعلم به كذبه وفسقه ، وشهره شهرة ينكشف بها غشّه ولبسه ، وينزع بها غيره ممن تسوّل له مثل ذلك نفسه ؛ وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس لها كفؤا ، ولا مشاركها في شرفها وفخرها ، حتّى لا يطمع في المرأة الحسيبة النّسيبة إلا من كان مثلا لها مساويا ، ونظيرا موازيا ، فقد قال اللَّه تعالى : * ( إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * ( 4 ) .
وأمره بمراعاة متبتّلي أهله ومتهجّديهم ، وصلحائهم ومجاوريهم ، وأراملهم وأصاغرهم ، حتّى يسدّ الخلَّة من أحوالهم ، ويدرّ الموادّ عليهم ، وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليه من وجوه أموالهم ، وأن يزوّج الأيامى ويربّي اليتامى ، ويلزمهم المكاتب ( 5 ) ليتلقّنوا القرآن ، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان ، ويتأدّبوا بالآداب ،
هامش
( 1 ) البقرة / 229 .
( 2 ) وهذه كانت من واجبات نقيب الأشراف الطالبيين . راجع الحاشية الثانية من الصفحة : 256 .
( 3 ) أي شجرة النسب .
( 4 ) الأحزاب / 33 .
( 5 ) المراد الكتاتيب جمع كتّاب وهو مكان صغير لتعليم الصبيان القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن الكريم .