تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وأمره بتلاوة كتاب اللَّه سبحانه مواظبا ، وتصفّحه مداوما ملازما ، والرّجوع إلى أحكامه فيما أحلّ وحرّم ، ونقض وأبرم ، وأثاب وعاقب [ وباعد وقارب ] ( 1 ) ؛ فقد صحّح اللَّه برهانه [ وحجّته ] ( 2 ) ، وأوضح منهاجه ومحجّته ، وجعله فجرا في الظَّلمات طالعا ، ونورا في المشكلات ساطعا ، فمن أخذ به نجا وسلم ، ومن عدل عنه هلك وهوى [ وندم ] ( 3 ) . قال اللَّه عز وجل : * ( وإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) * ( 4 ) . وأمره بتنزيه نفسه عما تدعو إليه الشّهوات ، وتتطلَّع إليه النّزوات ، وأن يضبطها ضبط الحكيم ، ويكفّها كفّ الحليم ، ويجعل عقله سلطانا عليها ، وتمييزه آمرا ناهيا لها ؛ فلا يجعل لها عذرا إلى صبوة ولا هفوة ، ولا يطلق منها عنانا عند ثورة ولا فورة ، فإنّها أمّارة بالسّوء ، منصبّة إلى الغيّ ؛ فالحازم يتّهمها عند تحرّك وطره وأربه ، واهتياج غيظه وغضبه ، ولا يدع أن يغضّها بالشكيم ( 5 ) ، ويعركها عرك الأديم ، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم ( 6 ) ، ويعتقلها عن مقارفة المحارم والمآثم ، كيما يعزّ بتذليلها وتأديبها ، ويجلّ برياضتها وتقويمها ، والمفرّط في أمره تطمح به إذا طمحت ، ويجمح معها أنّى جمحت ، ولا يلبث أن تورده حيث لا صدر ، وتلجئه إلى أن يعتذر ، وتقيمه مقام النادم الواجم ، وتتنكَّب به سبيل الراشد السالم ؛ وأحقّ من تحلَّى بالمحاسن ، وتصدّى لاكتساب المحامد ، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف ، ومنصبه المنيف ، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة ، واستظلّ بأوراق الدّوحة الفاخرة ، فذاك الذي تتضاعف له المآثر إن آثرها ، والمثالب إن أسفّ إليها ، ولا سيّما من كان مندوبا لسياسة غيره ،
هامش
( 1 ) الزيادة من مآثر الإنافة ومن الطبعة الأميرية عن المثل السائر . ( 2 ) الزيادة من مآثر الإنافة ومن الطبعة الأميرية عن المثل السائر . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن المثل السائر . ( 4 ) فصلت / 41 - 42 . ( 5 ) من شكم ( بكاف مكسورة ) شكما ( بالتحريك ) : جاع ، فهو شكيم . ( 6 ) الخزائم : جمع خزامة وهي حلقة من الشعر توضع في ثقب أنف البعير ، يشدّ بها الزمام . ويقال : وضع في أنف فلان الخزامة : أذلَّه وسخّره .