ومرشّحا للتقليد على أهله ، إذ ليس يفي بإصلاح من ولَّي عليه ، من لا يفي بإصلاح ما بين جنبيه ، وكان من أعظم الهجنة أن يأمر ولا يأتمر ، ويزجر ولا يزدجر ، قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * ( 1 ) .
وأمره بتصفّح أحوال من ولَّي عليهم واستقراء مذاهبهم ، والبحث عن بواطنهم ( 2 ) ودخائلهم ، وأن يعرف لمن تقدّمت قدمه منهم وتظاهر فضله فيهم منزلته ، ويوفّيه حقّه ورتبته ، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم ( 3 ) وأقدارهم ، وتقتضيها مواقفهم وأخطارهم : فإنّ ذلك يلزمه لشيئين ( 4 ) :
أحدهما يخصّه وهو النّسب الذي بينه وبينهم ، والآخر يعمّه والمسلمين جميعا ، وهو قول اللَّه جلّ ثناؤه : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ( 5 ) فالمودّة لهم والإعظام لأكابرهم ، والإشبال ( 6 ) على أصاغرهم ؛ [ واجب ] ( 7 ) متضاعف الوجوب عليه ، ومتأكَّد اللزوم له ؛ ومن كان منهم في دون تلك الطَّبقة من أحداث لم يحتنكوا ، أو جذعان ( 8 ) لم يقرحوا ، مجرين إلى ما يزري بأنسابهم ويغضّ من أحسابهم ، عذلهم ونبّههم ، ونهاهم ووعظهم ؛ فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم ، والمقصود إليه فيهم ، وإن أصرّوا وتتابعوا ، أنالهم من العقوبة بقدر ما يكفّ ويردع ؛ فإن نفع وإلا تجاوزه إلى ما يوجع ويلذع ، من غير تطرّق لأعراضهم ، ولا انتهاك لأحسابهم ، فإنّ الغرض منه الصّيانة ، لا الإهانة ،
هامش
( 1 ) البقرة / 44 .
( 2 ) في مآثر الإنافة « عن طرائقهم » .
( 3 ) في مآثر الإنافة « أسبابهم » .
( 4 ) في مآثر الإنافة « لسببين » .
( 5 ) الشورى / 23 .
( 6 ) الإشبال : العطف . وفي مآثر الإنافة « والإقبال » وفي هامش الطبعة الأميرية عن المثل السائر « والاشتمال » وجميعها تفيد المعنى نفسه .
( 7 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن المثل السائر .
( 8 ) الجذعان : جمع جذع وهو الشاب الحدث .