تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
مياهه ، وانقطاع موادّه ، إن أردت بعدوّك مكيدة ، أو احتجت من أمورهم إلى مطاولة ، فإن ارتحلت منه كنت غرضا لعدوّك ، ولم تجد إلى المحاربة والاخطار سبيلا ، وإن أقمت به أقمت على مشقّة وحصر وفي أزل وضيق ، فاعرف ذلك وتقدّم فيه . فإن أردت نزولا أمرت صاحب الخيل التي وكَّلت بالناس فوقفت خيله متنحّية من معسكرك ، عدّة لأمر إن غالك ، ومفزعا لبديهة إن راعتك ، فقد أمنت بحمد اللَّه وقوّته فجأة عدوّك ، وعرفت موقعها من حرزك ( 1 ) ، حتّى يأخذ الناس منازلهم ، وتوضع الأثقال مواضعها ، ويأتيك خبر طلائعك ، وتخرج دبّابتك ( 2 ) من معسكرك درّاجة ودبّابا محيطين بعسكرك ، وعدّة إن احتجت إليها . ولتكن دبّابات جندك أهل جلد وقوّة ، قائدا أو اثنين أو ثلاثة بأصحابهم ، في كلّ ليلة ويوم نوبا بينهم ، فإذا غربت الشمس ووجب ( 3 ) نورها ، أخرج إليهم صاحب تعبئتك أبدالهم ، عسسا بالليل في أقرب من مواضع دبّابي النهار ، يتعاور ذلك قوّادك جميعا بلا محاباة لأحد فيه ولا إدهان [ إن شاء اللَّه ] ( 4 ) . إيّاك وأن يكون منزلك إلا في خندق وحصن تأمن به بيات عدوّك وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدتك إذا وضعت الأثقال وحطَّت أبنية أهل العسكر ، لم يمدد طنب ( 5 ) ، ولم يرفع خباء ، ولم ينصب بناء حتى تقطع لكلّ قائد ذرعا معلوما من الأرض بقدر أصحابه ، فيحفروه عليهم خندقا يطيفونه بعد ذلك بخنادق الحسك ( 6 ) ، طارحين لها دون اشتجار الرّماح ، ونصب التّرسة ، لها بابان قد وكَّلت
هامش
( 1 ) في المنظوم والمنثور « من حربك » . ( 2 ) المراد بالدبابة هنا الجماعة التي تدب حول الجيش لحراسته . وقد تقدم في هذه الرسالة نظيرها وهي سيارة من سار ، ودراجة من درج . وليس المراد بها الآلة المعروفة . ( 3 ) غاب . ( 4 ) الزيادة عن مفتاح الأفكار . ( 5 ) الطنب : حبل طويل يشد به سرادق البيت . ( 6 ) الحسك : نبات له شوك صلب . ويعمل من الحديد أداة للحرب على مثال شوكة فيلقى حول المعسكر ويسمى باسمه ( وهذا . هو المراد هنا ) أي الأسلاك الشائكة .