تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
واعلم أنه إن لم يكن بذلك الموضع من تسكن إليه واثقا بنصيحته قد بلوت منه أمانة تسكَّنك إليه ، وصرامة تؤمّنك مهانته ، ونفاذا في أمرك يرخي عنك خناق الخوف في إضاعته ، لم يأمن أمير المؤمنين تسلَّل الجند عنك لواذا ( 1 ) ، ورفضهم مراكزهم ، وإخلالهم بمواضعهم وتخلَّفهم عن أعمالهم ، آمنين تغيير ذلك عليهم ، والشدّة على من اجترمه منهم ، فأوشك ذلك في وهنك ، وخذل من قوّتك ، وقلَّل من كثرتك . اجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوّادك ، جليدا ماضيا ، عفيفا ، صارما ، شهم الرأي ، شديد الحذر ، شكيم القوّة ، غير مداهن في عقوبة ، ولا مهين في قوّة ، في خمسين فارسا يحشر إليك جندك ، ويلحق بك من تخلَّف عنك بعد الإبلاغ في عقوبتهم والنّهك لهم والتنكيل بهم . وليكن بعقوتك ( 2 ) في المنزل الذي ترحل عنه ، والمنهل الذي تتقوّض منه ، مفرطا في النفض له ، والتتبّع لمن تخلَّف عنك به ، مشتدّا في أهل المنزل وساكنه بالتقدّم ، موعزا إليهم في إزعاج الجند عن منازلهم ، وإخراجهم عن مكامنهم ، وإيعاد العقوبة الموجعة والنّكال المبسل ( 3 ) في الأشعار والأبشار ، واستصفاء الأموال وهدم العقار لمن آوى منهم أحدا أو ستر موضعه ، أو أخفى محلَّه ، وحذّره عقوبتك إيّاه في الترخيص لأحد ، والمحاباة لذي قرابة ، والاختصاص بذلك لذي أثرة وهوادة ، ولتكن فرسانه منتخبين في القوّة ، معروفين بالنّجدة ، عليهم سوابغ الدّروع دونها شعار الحشو وجبب الاستجنان ، متقلدين سيوفهم ، سامطين كنائنهم ، مستعدّين لهيج إن بدههم [ أو كمين إن يظهر لهم ] ( 4 ) ؛ وإيّاك أن تقبل منهم في دوابّهم إلا فرسا قويّا أو برذونا وثيجا ( 5 ) : فإن ذلك
هامش
( 1 ) بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج ، أو يلوذ بأحد فينطلق معه كأنه تابعه . وهو منصوب على الحال مصدر بمعنى اسم الفاعل . ( 2 ) العقوة : الساحة وما حول الدار والمحلة . ( 3 ) أبسله : أسلمه للتهلكة . ( 4 ) الزيادة عن مفتاح الأفكار . ( 5 ) البراذين من الخيل : ما كان من غير نتاج العرب . والوثيج : المكتنز .