تصل إليه ومسافة تختارها ( 1 ) كأنها عسكر واحد في اجتماعها على العدوّ ، وأخذها بالحزم ، ومسيرها على راياتها ، ونزولها في مراكزها ، ومعرفتها بمواضعها ، إن ضلَّت دابة من موضعها ، عرف أهل العسكر من أيّ المراكز هي ، ومن صاحبها ، وفي أيّ المحلّ حلوله منها فردّت إليه ، هداية معروفة بسمت صاحب قيادتها ، فإنّ تقدّمك في ذلك وإحكامك له طارح عن جندك مؤونة الطَّلب ، وعناية المعرفة ، وابتغاء الضّالَّة .
ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة ونفاذا ورضا في العامّة ، وإنصافا من نفسه للرعيّة وأخذا بالحق في المعدلة ، مستشعرا تقوى اللَّه وطاعته ، آخذا بهديك وأدبك واقفا عند أمرك ونهيك معتزما على مناصحتك وتزيينك نظيرا لك في الحال ، وشبيها بك في الشّرف ، وعديلا في الموضع ، ومقاربا في النسب ( 2 ) ؛ ثم أكثف معه الجمع ، وأيّده بالقوّة ، وقوّه بالظَّهر ، وأعنه بالأموال ، واعمده ( 3 ) بالسلاح ، ومره بالتعطَّف على ذوي الضّعف من جندك ومن أزحفت ( 4 ) به دابّته وأصابته نكبة : من مرض أو رجلة ( 5 ) أو آفة ، من غير أن يأذن لأحد منهم في التنحّي عن عسكره ، أو التخلَّف بعد ترحّله ، إلا لمجهود سقما ، أو لمطروق بآفة جائحة . ثم تقدّم إليه محذّرا ، ومره زاجرا ، وانهه مغلظا في الشدّة على من مرّ به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوازك ، شادّا لهم أسرا ، وموقرهم ( 6 ) حديدا ، ومعاقبهم موجعا ، وموجّههم إليك فتنهكهم عقوبة ، وتجعلهم لغيرهم من جندك عظة .
هامش
( 1 ) كذا أيضا في المنظوم والمنثور ، وفي مفتاح الأفكار : « ومفازة تجتازها » وفي جمهرة رسائل العرب : « ومسافة تجتازها » ولعله الأوضح .
( 2 ) في مفتاح الأفكار « في الصيت » وهي أنسب .
( 3 ) أي قوّة بالسلاح .
( 4 ) أي أعيت .
( 5 ) رجل الرجل ( كفرح ) فهو راجل ورجلان : إذا لم يكن له ظهر يركبه .
( 6 ) أوقره : أثقله .