تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
مستعلي جماحهم . وتقدّم إلى من توجّهه في طلبهم ، وتتبعه أكساءهم ، في سكون الرّيح ، وقلَّة الرّفث ( 1 ) ، وكثرة التسبيح والتهليل ، واستنصار اللَّه عزّ وجل بألسنتهم وقلوبهم سرّا وجهرا ، بلا لجب ضجّة ، ولا ارتفاع ضوضاء ، دون أن يردوا على مطلبهم ، وينتهزوا فرصتهم ، ثم ليشهروا السّلاح ، وينتضوا السّيوف ، فإنّ لها هيبة رائعة ، وبديهة مخوفة ، لا يقوم لها في بهمة الليل وحندسه ( 2 ) إلا البطل المحارب ، وذو البصيرة المحامي ، والمستميت المقاتل ، وقليل ما هم عند تلك الحميّة وفي ذلك الموضع . ليكن أوّل ما تتقدّم به في التهيّؤ لعدوّك ، والاستعداد للقائه ، انتخابك من فرسان عسكرك وحماة جندك ذوي البأس والحنكة والجلد والصّرامة ، ممّن قد اعتاد طراد الكماة ، وكشّر عن ناجذه في الحرب ، وقام على ساق في منازلة الأقران ، ثقف الفروسية ، مجتمع القوّة ، مستحصد المريرة ( 3 ) ، صبورا على هول الليل ، عارفا بمناهزة الفرص ، لم تمهنه ( 4 ) الحنكة ضعفا ، ولا بلغت به السّنّ كلالا ، ولا أسكرته غرّة الحداثة جهلا ، ولا أبطرته نجدة الأغمار ( 5 ) صلفا ، جريئا على مخاطرة التلف ، مقدما على ادّراع الموت ، مكابرا لمهيب ( 6 ) الهول ، متقحّما مخشيّ الحتوف ، خائضا غمرات المهالك ، برأي يؤيّده الحزم ، ونيّة لا يخالجها الشّكّ ، وأهواء مجتمعة ، وقلوب مؤتلفة ، عارفين بفضل الطاعة وعزّها وشرفها ، وحيث محلّ أهلها من التأييد والظَّفر والتمكين ، ثم اعرضهم رأي عين على كراعهم وأسلحتهم ، ولتكن دوابّهم إناث عتاق الخيل ، وأسلحتهم سوابغ الدّروع
هامش
( 1 ) الرفث : الفحش . ( 2 ) الحندس : الظلمة . ( 3 ) المريرة : العزيمة . وأصلها الحبل الشديد الفتل . ( 4 ) أمهنه : أضعفه . ( 5 ) الغمر : من لم يجرّب الأمور . ( 6 ) في مفتاح الأفكار « لمرهوب » .