على أعمالك ، واستخفافا بأمرك الذي يأتمرون به ورأيك الذي ترتئي ؛ وأوعز إلى القوّاد أن لا يقدم أحد منهم على عقوبة أحد من أصحابه ، إلا عقوبة تأديب في تقويم ميل ، وتثقيف أود ؛ فأما عقوبة تبلغ تلف المهجة وإقامة حدّ في قطع ، أو إفراط في ضرب أو أخذ مال ، أو عقوبة في شعر ( 1 ) فلا يلينّ ذلك من جندك أحد غيرك ، أو صاحب شرطتك بأمرك وعن رأيك وإذنك ، ومتى لم تذلَّل الجند لقوّادهم ، وتضرعهم لأمرائهم ، توجب لهم عليك الحجة بتضييع - إن كان منهم - لأمرك ، أو خلل - إن تهاونوا به - من عملك ، أو عجز - إن فرط منهم - في شيء مما وكَّلتهم به أو أسندته إليهم ، ولا تجد إلى الإقدام عليهم باللَّوم وعضّ العقوبة عليهم مجازا تصل به إلى تعنيفهم ، بتفريطك في تذليل أصحابهم لهم ، وإفسادك إيّاهم عليك وعليهم ؛ فانظر في ذلك نظرا محكما ، وتقدّم فيه برفقك تقدّما بليغا ؛ وإيّاك أن يدخل حزمك وهن ، أو يشوب عزمك إيثار ، أو يخلط رأيك ضياع ، واللَّه يستودع أمير المؤمنين نفسك ودينك .
إذا كنت من عدوّك على مسافة دانية وسنن لقاء مختصر ، وكان من عسكرك مقتربا قد شامت ( 2 ) طلائعك مقدّمات ضلالته ، وحماة فتنته ، فتأهّب أهبة المناجز ، وخذ اعتداد الحذر ( 3 ) ، وكتّب خيولك ، وعبّ جندك ، وإيّاك والمسير إلا في مقدّمة وميمنة وميسرة وساقة ، قد شهروا الأسلحة ، ونشروا البنود والأعلام ؛ وعرّف جندك مراكزهم سائرين تحت ألويتهم ، قد أخذوا أهبة القتال ، واستعدّوا للَّقاء ، ملتجئين إلى مواقفهم ، عارفين بمواضعهم في مسيرهم ومعسكرهم ، وليكن ترحّلهم وتنزّلهم على راياتهم وأعلامهم وفي مراكزهم ، قد عرّف كلّ قائد منهم أصحابه مواقفهم : من الميمنة والميسرة والقلب والساقة والطَّليعة ، لا زمين لها ، غير مخلَّين بما استنجدوا له ، ولا متهاونين بما أهيب بهم إليه ؛ حتّى تكون عساكرك في منهل
هامش
( 1 ) أي جلد على شعر الجسد .
( 2 ) شامت : نظرت وأصله من شام البرق : إذا نظر إليه اين يقصد وأين يمطر .
( 3 ) في مفتاح الأفكار « وأعدّ اعداد الحذر » .