تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
قبضات سوى النّصول ، فإنها أبلغ في الغاية ، وأنفذ في الدّروع ، وأشكّ في الحديد ، سامطين حقائبهم على متون خيولهم ، مستخفّين من الآلة والأمتعة والزاد [ إلا ما لا غناء بهم عنه ] ( 1 ) . واحذر أن تكل مباشرة عرضهم وانتخابهم إلى أحد من أعوانك وكتّابك ، فإنّك إن وكلته إليهم أضعت مواضع الحزم ، وفرّطت حيث الرأي ، ووقفت دون عزم الرّويّة ، ودخل عملك ضياع الوهن ، وخلص إليك عيب المحاباة ، وناله فساد المداهنة ، وغلب عليه من لا يصلح أن يكون طليعة للمسلمين ولا عدّة ولا حصنا يدّرئون به ، ويكتهفون بموضعه . والطلائع حصون المسلمين وعيونهم ، وهم أوّل مكيدتك ، وعروة أمرك ، فليكن اعتناؤك بهم ، وانتقاؤك إيّاهم بحيث هم من مهمّ عملك ، ومكيدة حربك ، ثم انتخب للولاية عليهم رجلا بعيد الصوت ( 2 ) ، مشهور الاسم ، ظاهر الفضل ، نبيه الذّكر ، له في العدوّ وقعات معروفات ، وأيام طوال وصولات متقدّمات ، قد عرفت نكايته ، وحذرت شوكته ، وهيب صوته ، وتنكَّب لقاؤه ، أمين السّريرة ، ناصح الجيب ( 3 ) ؛ قد بلوت منه ما يسكَّنك إلى ناحيته : من لين الطاعة ، وخالص المودّة ، وركانة ( 4 ) الصّرامة ، وغلوب الشّهامة ، واستجماع القوّة ، وحصافة التدبير ، ثم تقدّم إليه في حسن سياستهم ، واستنزال طاعتهم ، واجتلاب مودّاتهم واستعذاب ضمائرهم ، وأجر عليهم وعليه أرزاقا تسعهم ، وتمدّ من أطماعهم ، سوى أرزاقهم في العامّة ، فإنّ ذلك من القوّة لك عليهم ، والاستنامة إلى ما قبلهم . واعلم أنهم في أهمّ الأماكن لك ، وأعظمها غناء عنك وعمّن معك ؛ وأقمعها كبتا لمحادّك وأشجاها غيظا لعدوّك ؛ ومن يكن في الثّقة ، والجلد ، والبأس ،
هامش
( 1 ) الزيادة عن مفتاح الأفكار . ( 2 ) الصوت والصيت والصات : الذكر الحسن . ( 3 ) أي أمين . ( 4 ) في مفتاح الأفكار « ونكاية الصرامة » . والمعنى : يركن إليه في الشدّة .