لنفسك من همّ ذلك والعناية به ، ملقيا عنك مؤونة باهظة وكلفة فادحة ، [ إن شاء اللَّه ] ( 1 ) .
واعلم أنّ القضاء من اللَّه بمكان ليس به شيء من الأحكام ، ولا بمثل محلَّه أحد من الولاة : لما يجري على يديه من مغاليظ الأحكام ومجاري الحدود ، فليكن من تولَّيه القضاء في عسكرك [ من ذوي ] ( 2 ) الخير في القناعة والعفاف والنّزاهة والفهم والوقار والعصمة والورع ، والبصر بوجوه القضايا ومواقعها ، قد حنّكته السّنّ وأيّدته التجربة وأحكمته الأمور ، ممن لا يتصنّع للولاية ويستعدّ للنّهزة ، ويجتريء على المحاباة في الحكم ، والمداهنة في القضاء ، عدل الأمانة ، عفيف الطَّعمة ، حسن الإنصاف ( 3 ) ، فهم القلب ، ورع الضمير ، متخشّع السّمت ( 4 ) ، بادي الوقار ، محتسبا للخير . ثم أجر عليه ما يكفيه ويسعه ويصلحه ، وفرّغه لما حمّلته ، وأعنه على ما ولَّيته : فإنك قد عرّضته لهلكة الدنيا وبوار الآخرة ، أو شرف الدنيا وحظوة الآجلة ، إن حسنت نيّته ، وصدقت رويّته ، وصحّت سريرته وسلَّط حكم اللَّه على رعيّته ، مطلقا عنانه ، منفّذا قضاء اللَّه في خلقه ، عاملا بسنّته في شرائعه ، آخذا بحدوده وفرائضه .
واعلم أنه من جندك بحيث ولايتك ، الجارية أحكامه عليهم ( 5 ) ، النافذة أقضيته فيهم ، فاعرف من تولَّيه ذلك وتسنده إليه . ثم تقدّم في طلائعك فإنها أوّل مكيدتك ، ورأس حربك ، ودعامة أمرك ، فانتخب لها من كلّ قادة وصحابة رجالا ذوي نجدة وبأس ، وصرامة وخبرة ، حماة كفاة ، قد صلوا ( 6 ) بالحرب وذاقوا
هامش
( 1 ) الزيادة من جمهرة رسائل العرب .
( 2 ) الزيادة من جمهرة رسائل العرب .
( 3 ) في مفتاح الأفكار « حسن الإنصات » .
( 4 ) السمت : هيئة أهل الخير .
( 5 ) في مفتاح الأفكار « واعلم أنه من جندك ومعسكرك بحيث ولايتك وفي الموضع الجارية احكامه عليهم » .
( 6 ) صلى النار وبها : قاسى حرّها .