تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
واعلم أنّ جواسيسك وعيونك ربّما صدقوك ، وربّما غشّوك ، وربّما كانوا لك وعليك فنصحوا لك وغشّوا عدوّك وغشّوك ونصحوا عدوّك ، وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه ، فلا تبدرنّ منك فرطة عقوبة إلى أحد منهم ، ولا تعجل بسوء الظن إلى من اتّهمته على ذلك ، واستنزل نصائحهم بالمياحة والمنالة ، وابسط من آمالهم فيك من غير أن يرى أحد منهم أنك أخذت من قوله أخذ العامل به والمتّبع له ، أو عملت على رأيه عمل الصادر عنه ، أو رددته عليه ردّ المكذّب به ، المتهم له ، المستخفّ بما أتاك منه ، فتفسد بذلك نصيحته ، وتستدعي غشّه ، وتحترّ عداوته . واحذر أن يعرفوا في عسكرك أو يشار إليهم بالأصابع ، وليكن منزلهم على كاتب رسائلك وأمين سرّك ، ويكون هو الموجّه لهم ، والمدخل عليك من أردت مشافهته منهم . واعلم أن لعدوّك في عسكرك عيونا راصدة ، وجواسيس متجسّسة ( 1 ) ، وأنه لن يقع رأيه عن مكيدتك بمثل ما تكايده به ( 2 ) ، وسيحتال لك كاحتيالك له ، ويعدّ لك كإعدادك فيما تزاوله منه ، ويحاولك كمحاولتك إيّاه فيما تقارعه عنه ، فاحذر أن يشهر رجل من جواسيسك في عسكرك فيبلغ ذلك عدوّك ويعرف موضعه ، فيعدّ له المراصد ، ويحتال له بالمكايد . فإن ظفر به فأظهر عقوبته ، كسر ذلك ثقات عيونك ، وخذلهم عن تطلَّب الأخبار من معادنها ، واستقصائها من عيونها ، واستعذاب اجتنائها من ينابيعها ، حتّى يصيروا إلى أخذها مما عرض من غير الثّقة ولا المعاينة ، لقطا لها بالأخبار الكاذبة ، والأحاديث المرجفة . واحذر أن يعرف بعض عيونك بعضا : فإنّك لا تأمن تواطؤهم عليك ، وممالأتهم عدوّك ، واجتماعهم على غشّك ، وتطابقهم على كذبك ، وإصفاقهم ( 3 ) على خيانتك ، وأن
هامش
( 1 ) في مفتاح الأفكار « كامنة » . ( 2 ) في المنظوم والمنثور وفي حاشية الطبعة الأميرية عن رسائل البلغاء : « وأن رأيه في مكيدتك مثل ما تكايده به » . ( 3 ) اصفقوا عليه : أطبقوا واجتمعوا .