تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
تنقّلك عهدا يحمّلك فيه أدبه ، ويشرع لك به عظته ، وإن كنت بحمد اللَّه من دين اللَّه وخلافته بحيث اصطنعك اللَّه لولاية العهد مختصّا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك . ولولا ما أمر اللَّه تعالى به ، دالَّا عليه ، وتقدّمت فيه الحكماء آمرين به : من تقديم العظة ، والتّذكير لأهل المعرفة وإن كانوا أولي سابقة في الفضل وخصيّصاء ( 1 ) في العلم ، لا عتمد أمير المؤمنين على اصطناع اللَّه إيّاك ، وتفضيله لك بما رآك أهله في محلَّك من أمير المؤمنين ، وسبقك إلى رغائب أخلاقه ، وانتزاعك محمود شيمه ، واستيلائك على مشابه تدبيره . ولو كان المؤدّبون أخذوا العلم من عند أنفسهم ، أو لقّنوه إلهاما من تلقائهم ولم نصبهم تعلَّموا ( 2 ) شيئا من غيرهم ، لنحلناهم ( 3 ) علم الغيب ، ووضعناهم بمنزلة قصّر بها عنهم خالقهم ( 4 ) المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيّته في فردانيّته وسابق لا هوتيّته ، احتجابا منه لتعقّب في حكمه ، وتثبّت في سلطانه وتنفيذ إرادته ، على سابق مشيئته ، ولكنّ العالم الموفّق للخير ، المخصوص بالفضل ، المحبوّ بمزيّة العلم وصفوته ، أدركه معانا عليه بلطف بحثه ، وإذلال كنفه ، وصحّة فهمه ، وهجر سآمته . وقد تقدّم أمير المؤمنين إليك ، آخذا بالحجّة عليك ، مؤدّيا حقّ اللَّه الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقّك ، وما ينظر به الوالد المعنيّ الشّفيق لولده . وأمير المؤمنين يرجو أن ينزّهك اللَّه عن كل قبيح يهشّ له طمع ، وأن يعصمك من كلّ مكروه حاق بأحد ، وأن يحصّنك من كلّ آفة استولت على امريء في دين أو خلق ، وأن يبلَّغه فيك أحسن ما لم يزل يعوّده ويريه من آثار نعمة اللَّه عليك ، سامية بك
هامش
( 1 ) في جمهرة رسائل العرب عن المنظوم والمنثور : « ولولا ما أمر اللَّه به دالا عليه بتقدمة المعرفة لمن كانوا أولي سابقة في الدين وخصّيصى في العلم » . خصّه بالشيء خصا وخصوصا وخصيصى ( بالكسر والقصر ) وخصيّة ( بالفتح والتشديد ) وتخصّه : فضّله . ( 2 ) في جمهرة رسائل العرب : « ولم يتعلموا » . ( 3 ) أي لنسبنا إليهم . ( 4 ) في جمهرة رسائل العرب : « بمنزلة خالقهم المستأثر بعلم الغيب » .