تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
قلت : وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية لا يمتنع وقوعه في وقت من الأوقات ؛ فإن عرض له موجب ، راعى الكاتب فيه صورة الحال ، وكتب على ما يوجبه المقام ، وتقتضيه تلك الوقعة . الصنف الثاني والعشرون ( ما يكتب مع الإنعام لنوّاب السّلطنة بالخيل والجوارح وغيرها من أنواع الإنعامات وهذا الصّنف من المستعمل في زماننا كلّ وقت ) فأما ما يكتب مع الإنعام بالخيل ، فقد جرت العادة أن السلطان ينعم بالخيل على نوّاب السلطنة بالشام ، ويكتب بذلك مثالات شريفة إليهم ، وربّما أنعم بالخيل وكتب بها في غير ذلك . وهذه نسخة مثال شريف من ذلك : ضاعف اللَّه تعالى نعمة الجناب وخصّه من النّعم بما لا تحصى له آثار ، ولا يتعلَّق له بغبار ، ولا يوصف بحال واحدة ؛ لأنه إن جرى فبحر ، وإن وقف فنار . صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بكلّ سلام لا تدرك لسوابقه غاية ، ولا تحصى له نهاية ، ولا يردّ منه كل ما جاء وله في وجهه كفلق الصّبح آية ، ولا يتقدّم في ميدان إلَّا وقد حمل له في كلّ مكان راية . وتوضّح لعلمه الكريم أنه قد جهّز له قرينها ما جرت به عادته من الحصن التي لا يدّعي البرق أنه لها نظير ، ولا تجاري الرّياح من سوابقها ما يطير ، كم لها في ميدان مجال ، وكم لها في رؤية دوّيّة ارتجال ، وكم دعي الوغى بها على كلّ ضامر فأتت رجالا تقدح سنابكها نارا ، وتفيض جوانبها من الرّكض عقارا ، ويتكفّل بديعها بكلّ مرام ، وتعطي ما في يديها لأنها من الكرام ، وقد تشرّفت من نعمنا الشريفة بالسّروج واللَّجم والعدّة المكمّلة ، وتحلَّت من الذّهب والفضّة ما يغني بجملته المفصّلة ، وأرسلناها إليه ترقص في أعنّتها زهوا ، وتترك بطيب صهيلها كلّ بحر تخوضه إلى المنايا رهوا ، وتوجّه بها فلان كالعرائس المجلوّة في حللها ، والنّجوم لولا ما تميزت به من حلي عطلها ، والسّحاب إلَّا أنّها لا تحتاج منّة الرّياح في تنقّلها .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 354 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين