تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
أما بعد ، فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك ، إلَّا ما أحبّ من ربّ صنيعته قبلك ، واستتمام معروفه إليك ، وكان أمير المؤمنين أحقّ من أصلح ما فسد منك ، وإنّك إن عدت لمثل مقالتك ، وما بلغ أمير المؤمنين عنك ، رأى في معاجلتك رأيه ، فإن النّعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته ، فأساء حمل الكرامة ، واستثقل العافية ، ونسب ما هو فيه إلى حيلته ، وحسن نبته ورهطه وعشيرته ، وإذا نزلت به الغير ، وانكشفت عماية العشى عنه ، ذلّ منقادا ، وندم حسيرا ، وتمكَّن منه عدوّه ، قادرا عليه ، وقاهرا له . ولو أراد أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك ، ومعاجلة إفسادك ، جمع بينه وبين من شهد فلتات خطئك وعظيم زلَّتك ، ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك في مجلسك ، وجحودك فضله عليك ، لردّك إلى ما كنت عليه ، ولكنت مستحقّا . وفي مثله : فإن صاحب البريد كتب إليّ عن أصحابك بكذا ، فقلت : إنهم لم يقدموا على ما أقدموا عليه حتّى عجموك ، فعرفوا خور عودك ، وضعف مكسرك ومهانة نفسك ، وأنّه لا غير عندك ولا نكير . ومن ذلك الذّمّ على الخطأ ، كما كتب أحمد ( 1 ) بن يوسف : كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه ، وكانا قبل ذلك في قسمه ، فحازهما لوارثه ، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة ، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة حتّى خلصا له من كلّ ممانع ، وسلما له من تبعة كلّ منازع ، فهو لا يصيب إلَّا مخطئا ، ولا يحسن إلَّا ناسيا ، ولا ينفق إلَّا كارها ، ولا ينصف إلَّا صاغرا .
هامش
( 1 ) هو الكاتب أبو جعفر أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح ، مولى بني عجل . ولي ديوان الرسائل للمأمون ، وكان من أفاضل كتابه ، جيّد الكلام ، فصيح اللسان ، حسن اللفظ . توفي سنة 213 ه ، وذهب ابن كثير إلى أنه توفي سنة 214 ه . انظر تاريخ بغداد ( ج 5 ص 217 - 218 ) ، والفهرست ص 135 ، 137 ، 139 - 140 ، 188 ، والعقد الفريد ( ج 4 ص 165 ) . والبداية والنهاية ( ج 10 ص 269 ) والأعلام ( ج 1 ص 272 ) .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 353 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين