بالأبصار ، والكافّة يصافحون الأرض ويجتهدون في الدعاء بإخلاص نيّاتهم ، والعساكر المؤيّدة لو أنّها عمّت الأرض بتطبيقها ، وساوت بين قريبها وسحيقها ، وصارت كالجبال الرّواسي فيها ، لكانت قد تزلزلت ومادت بأهليها ، وهي مع تباين أجناسها وطوائفها متظافرة على معاندي الدّولة ومخالفيها ، متلائمة على الولاء ، متمالئة على الأعداء ، تتلفّت إلى المجاهدة كأنها الأسود إقداما وباسا ، وكأنّما فصّلت جوامد الغدران سلاحا لها ولباسا ، والسيّد الأجلّ الأفضل التي عظمت به المواهب وجلَّت ، وذهبت بوزارته الغياهب وتجلَّت ، وتهلَّل بنظره وجه الملَّة وكان عابسا ، وأعاد الدّولة معصرا وقد كانت قبله عانسا ، وحسنت الدّنيا بأيامه إذ ليس فيها من يضاهيه ، وانتظمت أمورها على الإرادة بصدورها عن أوامره ونواهيه ، ترتّب المواكب بمهابته ، ويستغنى بتوغَّلها في القلوب عن إيمائه وإشارته ، وكلّ طائفة مقبلة على شانها ، لازمة لمكانها ، متصرّفة على تهذيبه وتقريره ، عاملة بآدابه ، فوقوفها بوقوفه ومسيرها بمسيره .
وتوجه أمير المؤمنين إلى المصلَّى محفوفا بأنوار تجلَّي ما أنشأته سنابك الخيل ، وتمحو آية نقع قام مثارها مقام ظلام اللَّيل ، وعليه من وقار الإمامة ، وسكينة الخلافة ، ما خصّه اللَّه تعالى به دون البريّة وحده ؛ لأنه مما ورث أمية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وآله وجدّه ( 1 ) ، ولما انتهى إليه قصد [ المحراب ] ( 2 ) وأمّه ، وأدّى الصّلاة أكمل أداء وأتمّه ، ثم انتهى إلى المنبر ( 3 ) فعلاه ، ومجّد اللَّه تعالى وحمده على ما أولاه ، ووعظ وعظا خوّف عاقبة المعاصي والذّنوب ، وحلّ وكاء العيون وداوى مرض القلوب ، وأمر بسلوك سبيل الطَّاعات وأفعال البر ، وحثّ على التّوفّر عليها في الجهر والسّر ، وعاد إلى قصوره المكرمة ، ومواطنه المقدّسة ،
هامش
( 1 ) كذا بالأصل . حاشية الطبعة الأميرية .
( 2 ) بياض بالأصل ، والتصحيح من المقام . حاشية الطبعة الأميرية .
( 3 ) في الأصل « إلى المحراب فصلاه » ولا معنى لها . حاشية الطبعة الأميرية .