وأمدّهم بنفقات أصلحت أحوالهم ، وأطلقت في طلب عدوّ اللَّه أقوالهم ، وسلاح جدّد استطاعتهم ، وأعان شجاعتهم ، وخيول تكاد تسابقهم إلى طلب عدوّهم ، وتحضّهم على أخذ حظَّهم من اللقاء كأنّها تساهمهم في أجر رواحهم وغدوّهم ، وقد نضوا رداء الإعجاب عن أكتافهم ، واعتصموا بعون اللَّه وتأييده لا بقوّة جلدهم ولا بحدّة أسيافهم ، وسيعجلون العدوّ - إن شاء اللَّه تعالى - عن اندمال جراحه ، ويتعجّلون إليه بجيوش تسوء طلائعها في مسائه وتصبّحه كتائبها في صباحه ، واللَّه تعالى لا يكلنا إلى جلدنا ، ولا ينزع أعنّة نصره من يدنا .
الصنف التاسع ( المكاتبة بتوبيخ المهزوم وتقريعه والتّهكَّم به )
وهذا النوع من المكاتبات قليل الوقوع ، ولذلك لم يتعرّض إليه في « موادّ البيان » . والذي ينبغي أن تبنى المكاتبة فيه عليه ذكر هزيمة المهزوم وما استولى عليه من الغلبة والقهر ، وصورة الحال في النّصرة عليه ، والاستيلاء على بلاده وأمواله وسائر ذات يده ، وأسر رجاله ، واسترقاق ذراريّهم ونسائهم ، وما يجري مجرى ذلك ، ممّا فيه إيلام خاطره ، وتقطيع قلبه حسرات على ما ناله ، ونحو ذلك ممّا يدعو المكتوب إليه إلى الطاعة ، ويوجب الانقياد .
وهذه نسخة كتاب من هذه النّمط ، كتب به القاضي محيي الدّين ( 1 ) بن عبد الظاهر رحمه اللَّه ، إلى البولس بيمند ( 2 ) ملك الفرنج ، المستولي على طرابلس من
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته في الصحيفة 43 من هذا الجزء من صبح الأعشى ، الحاشية رقم 3 .
( 2 ) في حاشية الطبعة الأميرية : « كذا بالأصل بإهمال النقط وفي الكامل لابن الأثير ج 10 ص 254 : بيمند » . وبيمند المذكور في حاشية الطبعة الأميرية هو جدّ المذكور هنا . والمذكور هنا هو بيمند ابن بيمند بن بيمند ، الذي استقلّ بطرابلس ، وتوفي سنة 673 ه ، ودفن في كنيسة طرابلس ، ولما فتحها المسلمون في سنة 688 ه نبش الناس قبره وأخرجوه منه وألقوا عظامه على المزابل للكلاب . وبيمند المذكور في حاشية الطبعة الأميرية ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 393 ه . انظر البداية والنهاية ( ج 13 ص 269 ) .