تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وتنهض لاقتضاء دين الدّين ، من غرمائه المعتدين ، وتبادر إلى استنجاز وعد اللَّه بأن اللَّه يمحّص المؤمنين ، ويمحق الكافرين ، واللَّيث إذا جرح كان أشدّ لثباته ، وأمدّ لوثباته ، والموتور لا يصطلى بناره ، والثّائر لا يرهب الإقدام على المنون في طلب ثاره ، والدهر ذو دول ، والزمان متلوّن إن دجت عليكم منه بالقهر ليلة واحدة فقد أشرقت لكم منه بالنّصر ليال أول ، فالمولى لا يلتفت إلى ما فات ، ويقبل بفكره على تدبير ما هو آت ، ويعدّ للحرب عدّته ، ويعجل أمد الاستظهار ومدّته ، ولا يؤخر فرصة الإمكان ، ولا يعيد ذكر ما مضى فإنه دخل في خبر كان ، ولا يظهر ( 1 ) بما جرى عجزا ، فإن العاجز من ظنّ أنه يصيب ولا يصاب ، ولا يتّخذ غير ظهر حصانه حصنا فلا حرز أمنع من صهوة الجواد ولا سلَّم أسلم من الرّكاب ، وليعلم أن العاقبة للمتقين ، ويدّرع جنّة الصّبر ليكون من النّصر على ثقة ومن الظَّفر على يقين ، فإن اللَّه مع الصابرين ، ومن كان اللَّه معه كانت يده الطَّولى ، وإذا لقي عدوّ اللَّه وعدوّة فليصبر لحملته فإنّ الصبر عند الصّدمة الأولى واللَّه تعالى يكلؤه بعينه ، ويمدّه بعونه ، ويجعل الظَّفر بعدوّه موقوفا على مطالبته له بدينه . ومن ذلك ما كتبه على لسان المهزوم يتضمن الاعتذار ، ويصف الاحتفال بأخذ الثّار : هذه المكاتبة إلى فلان : أتبع اللَّه ما ساءه من أمرنا مع العدوّ بما يسرّه ، وبلَّغه عنّا من الانتصاف والانتصار ما يظهر من صدور الصّفاح وألسنة الرّماح سرّه ، وأراه من عواقب صنعه الجميل بنا ما يتحقّق به أنّ كسوف الشمس لا ينال طلعتها وأنّ سرار القمر لا يضرّه . توضح لعلمه أنه ربما اتّصل به خبر تلك الوقعة التي صدقنا فيها اللَّقاء ، وصدمنا العدوّ صدمة من لا يحبّ البقاء ، وأريناه حربا لو أعانها التأييد فلَّلت جموعه ، وأذقناه ضربا لو أنّ حكم النّصر فيه إلى النّصل أوجده
هامش
( 1 ) في المصدر السابق : « ولا يظن ما جرى » انظر حاشية الطبعة الأميرية .