تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ويخاطبهم بما يرهف عزائمهم في نصرة الدين وكافّة المسلمين ، واتّباع سبيل السّلف الصالحين ، الذين خصّهم اللَّه تعالى بصدق الضّمائر ، ونفاذ البصائر ، وصحّة الدين ، ووثاقة اليقين ، فلم يكونوا ليروموا مراما إلَّا سهّل لهم ما توعّر ، ويسّر عليهم ما تعسّر ، وسما بهم إلى ما هو أقصى منه مرمى وأبعد مدى ، رغبة فيما رغَّبهم فيه من نصرته ، وتعرّضا لما عرّضهم له من جزيل مثوبته ، وأن يحضّهم على التمسك بعزائم الدين ، والعمل على بصائر المخلصين ، وافتراض ما فرض اللَّه عليهم من جهاد أعدائه ، وتنجيز ما وعدهم به من الإظفار بهم والإظهار عليهم ، وأن يجاهدوا مستنصرين ، ويؤدّوا الحقّ محتسبين ، ويقدموا رسلا لا ناكصين ولا شاكَّين ولا مرتابين ، متّبعين الحقّ حيث يمم وقصد ، ومضاربين دونه من صدّ عنه وعند ، ويبالغ في تنخية أهل البسالة والنّجدة ، والبأس والشّدّة ، ويبعثهم على نصر حقّهم وطاعة خالقهم ، والفوز بدرك الثواب والرّضوان ، وتنوّر البصائر في الإيمان ، وفضيله الأنف من الضّيم ، والبعد من الذّيم ( 1 ) ، إلى غير هذا مما يعدل الأرواح والمهج ، والإقدام على مصارع التّلف . فإن الملوك الماضين - لعلمهم بأن الناس إنما يجودون بذلك للفوائد التي توجبه - كانوا يبذلون لمن يدعونه إلى المكافحة ، ويعرّضونه للمذابحة ، الرغائب التي تهوّن عليهم إلقاء نفوسهم في المهالك تارة ، ويذكَّرونهم الأحقاد والضغائن ويخوّفونهم من الوقوع في المذلَّة أخرى . ثم قال : وينبغي للكاتب أن يقدّم في هذه الكتب مقدّمات ، يرتبها على ترتيب يهزّ الأريحيّات ، ويشحذ العزائم ، ليجمع بين خدمة سلطانه والفوز بنصيب من الأجر . قلت : وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانيات مستمرّ الحكم إلى زماننا . فما زالت الملوك يكتبون إلى ما يليهم بالحثّ على الجهاد ، والقيام بأوامره ، والحضّ على ملاقاة العدوّ ، والأخذ بنصرة الدين . وقد تقدّم في الكلام على
هامش
( 1 ) الذيم : العيب ؛ تقول : من احتمل الضيم استحق الذيم . أساس البلاغة ، مادة ( ذيم ) .