تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
المواقع اللائقة به ، ويجلو الحجج في أحسن المعاريض ، ويفصح عنها بأقرب الألفاظ من النفوس ؛ فإنه إذا وفّق لذلك ، ناب كتابه مناب الجيوش والأجناد ، وأقرّ السيوف في الأغماد ، ثم قال : ومن صدقت في هذا الفنّ رغبته ، أيد اللَّه تعالى غريزته ، وعضّد بديهته ورويّته . قلت : وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية قد بطل في زماننا ، فلم يعهد أنّ ملكا من الملوك كتب إلى بلاد الكفر بالدّعاية إلى الدين ، إذ مثل ذلك إنما يصدر مع الغلبة والقوّة والقهر . كما كان الخلفاء في الزمن المتقدّم والكفر مقهور معهم ، مذلول لديهم . أما الآن فلو لا ما أخبر به صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقوله : « ونصرت بالرّعب مسيرة شهر » وفي رواية « ونصرت أمّتي » لاجتاح أهل الكفر الإسلام ، ولكن اللَّه وعد دينه أن لا يخذل . الصنف الثالث ( من الكتب السلطانية الكتب بالحثّ على الجهاد ) قال في « موادّ البيان » : كما أن الدّين ينتظم بالدعاء إليه والترغيب فيه ، كذلك ينتظم بصيانة حوزته ، وما دخل في مملكته ، وكفّ أعدائه عن تنقّص أطرافه ، والتّغلَّب على بلاده . ولهذا فرض اللَّه تعالى الجهاد وأوجبه ، وأكَّد الأمر فيه وشدّده ، والسلطان يحتاج عند الحوادث التي تحدث من تطرّق المخالفين إلى بعض الثّغور ، أو شنّ الغارة على أهل الإسلام ، أن يدعو إلى الجهاد ومقارعة الأعداء ، وصون حريم الملة ، وحفظ نظام الدولة . ثم ذكر أن الرسم فيها أن تفتتح بحمد اللَّه تعالى على جميل صنعه ، على إعزاز الكلمة ، وإسباغ النّعمة باظهار هذه الملة ، وما وعد اللَّه به من نصر أوليائه ، وخذلان أعدائه ، وإدالة الموحدين ، وإذالة الملحدين ، والصلاة على رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وعلى آله ، وذكر طرف من مواقفه في الجهاد ، ومقارعته لشيع الإلحاد ، وتأييد اللَّه تعالى أنصاره على أهل العناد ، ثم يذكر الحادثة بنصّها ، ويشرح القصة على فصّها ، ويندب من جاوره وداناه من أهل الملَّة أجمعين ،