تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
المهيع الأوّل ( في رتب المكاتبات المصطلح عليها ) وقد اختلفت مقاصدهم في ترتيبها اختلافا متقاربا في الزيادة والنقص والتقديم والتأخير ، مع مراعاة أصول المراتب . وها أنا أذكر ما استقرّ عليه الحال من ذلك ، وأنبّه على ما خالفه من ترتيبهم المتقدّم الذّكر ، لتحصل الإحاطة به ، ويعلم ما جرى عليه أهل كلّ عصر منهم مما لعلّ مختارا يختاره ، أو ينسج على منواله ، منبّها على وهم من وهم في شيء من ذلك . واعلم أنهم قد بنوا هذا النوع من الإخوانيّات على قاعدتين ، تتعيّن معرفتهما قبل الخوض في رتب المكاتبات : القاعدة الأولى - فيما يتعلَّق بورق هذه المكاتبات . قد جرت العادة أن تكون جميع هذه المكاتبات من الأعلى إلى الأدنى ، ومن الأدنى إلى الأعلى ، ومن النظير إلى النّظير ، في ورق قطع العادة دون ما فوقه من مقادير قطع الورق المتقدّمة الذكر ، غير أنّ أعيان أهل الديار المصرية يكاتبون في الورق المصريّ ، وأعيان أهل الشأم يكاتبون في الورق الشاميّ ؛ لكثرة وجوده عندهم ، والمعنى في ذلك أنّ كتب السلطان الصادرة عنه إلى جميع أهل المملكة من النّوّاب وغيرهم في هذا القطع ، فلا جائز أن تعلو مكاتبة أحد منهم على مكاتبة السلطان في ذلك . ثم قد اصطلحوا على أن يكون في أعلى المكاتبة عن كلّ أحد من أعيان الدولة قبل البسملة وصل واحد بياضا ، إذ كان أقلّ ما يجعل بياضا في كتب السلطان وصلين فاقتصروا على وصل واحد ، كي لا يساويه غيره في ذلك ، واصطلحوا أيضا على أن لا تنقص المكاتبات المذكورة عن ثلاثة أوصال : الوصل الأبيض في أعلى المكاتبة على ما تقدّم ، ووصلان مكتوبان ، إذ لو نقص عن ذلك ، لخرج الكتاب في القصر عن الحدّ فيزدرى ، أما لو دعت الضرورة إلى الزيادة على الثلاثة لزيادة الكلام فلا مانع منه . واصطلحوا على أن يترك للكتاب حاشية بيضاء تكون بقدر ربع الدّرح على ما تقدّم ذكره في غير هذا الموضع .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 173 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين