ابن عبّاد ( 1 ) :
كتابي - أطال اللَّه بقاء مولانا الصاحب الجليل كافي الكفاة - وليس من جارحة إلَّا ناطقة بشكره وحمده ، ولا في الدّهر جراحة إلَّا عافية بفضله ورفده ، وأنا مستمرّ له على دعاء ، إن خلوت من أن يكون عائدا لصلاحي ، ورائشا لجناحي ، لألتزمنّه عن الأحرار العائشين في نداه ، المستظلَّين بذراه ( 2 ) ، فكيف وأنا أوّل ساهر في مرابعه ، ووارد لشرائعه ، وأحوالي جارية على استقامة أقوى أسبابها تصرّف الأيام على آرائه ، واتباعها إيثاره في أوليائه وأعدائه . والحمد للَّه رب العالمين ، قضاء لحقّه واقتضاء لمزيده ، واستدامة للنّعمة عنده ، التي استحصفت في أيدينا سعتها ، وسالت علينا شعابها ، وغمرتنا سجالها ، وتفيّأت لنا ظلالها ، وما يزال بين رغبة مولانا الصاحب الجليل كافي الكفاة - أدام اللَّه علوّه ، وكبت عدوّه ، في عبده ورغبة عبده إليه سرّ مكنون في الصّدور ، ومستور تحت الضّلوع ، فهما يتناجيان به على بعد الدار ، ويلتقيان عليه بالأفكار ، فإن تطلَّع من حجاب القلوب ، وشذّ من ظهور الغيوب ، فإنّ ظهوره يكون من جهته في نفحات الإنعام ، ومن جهتي في ثمرات الكلام . وقد وصل كتابه المخطوط بكرمه لا بقلمه ، إلى صنيعته الماثل بين يديه بهممه لا بقدمه ، فلم يستطع أن ينهض من الفكر ، إلَّا بقدر ما يبرّيء ساحته من الكفر ، ويبلَّغه إلى آخر الاجتهاد والعذر ، وأسأل اللَّه أن يطيل بقاءه للإفضال المأخوذ منه ، والفضل المأخوذ عنه ، والعلم الذي يزخر به بحره ، والفخر الذي يسحب له ذيله ، والعزّ الذي ضرب عليه رواقه ، والسلطان الذي ألقي إليه استحقاقه ، والأمر والنهي اللذين يحويهما تراثا واكتسابا ، إذا حواهما غيره غلولا واغتصابا ، بمنّه وطوله ، وقد كان كذا وكذا .
هامش
( 1 ) تقدّمت ترجمته في الصحيفة 139 من هذا الجزء من صبح الأعشى ، الحاشية رقم 2 .
( 2 ) بذراه : بظلَّه ؛ يقال : فلان في ذرى فلان أي في ظله وكنفه وستره ودفئه . لسان العرب ( ذرا ) .