تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
ولا عدد . وأقبل القوم في لفيف كالجراد المنتشر ، وأمواج البحر التي لا تنحصر : من أجناس مختلفة ، وجموع على تباين الأنواع مؤتلفة ، وتراءى الجمعان في أفسح مكان ، ورأى كلّ قبيل الآخر رأى العين وليس الخبر كالعيان ، واعتدّ الفريقان للنّزال ، واحتفروا خنادق للاحتراس وتبوّأنا مقاعد للقتال ، ولم يبق إلا المبارزة ، والتقاء الصّفوف والمناجزة ، إذ ورد وارد من جهتهم بطلب الصّلح والموادعة ، والجنوح إلى السّلم وقطع المنازعة ؛ فأجبناهم بالإجابة ، ورأينا أنّ حقن الدماء من الجانبين من أتمّ مواقع الرأي إصابة ؛ وكتبنا إليهم في ضمن الجواب :
لمّا أتانا منكم قاصد يسأل في الصّلح وكفّ القتال قلنا له نعم الَّذي قلته والصّلح خير وأجبنا السّؤال
فبينا نحن على ذلك ، واقفون من المواعدة على الموادعة على ما هنالك ، إذ بلغنا أن طائفة من الخونة الذين ضلّ سعيهم ، وعاد عليهم بالوبال وللَّه الحمد بغيهم ، توجّهوا إلى الديار المصرية للاستيلاء على تخت ملكنا الشريف في الغيبة ، آملين ما لم يحصلوا منه إلا على الخيبة ؛ فلم يسع إلا الإسراع في طلبهم ، للقبض عليهم وإيقاع النّكال بهم ، وجازيناهم بما يجازي به الملوك من رام مرامهم ، وظنّ العدوّ أن قصدنا الديار المصرية إنما كان لخوف أو فشل ، فأخذ في خداع أهل البلد حتّى سلَّموه إليه وفعل فعلته التي فعل ، ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا . ثم لم نزل ندأب في تحصين البلاد وترويج أعمالها ، وترتيب أمورها وتعديل أحوالها ، حائطين أقطارها المتسعة بجيوش لا يكلّ حدّها ، ولا يعقب بالجزر مدّها ، ليكونوا للبلاد أسوارا ، وللدولة القاهرة إن شاء اللَّه تعالى أعوانا وأنصارا ؛ وأعاد اللَّه تعالى المملكة إلى حالها المعروف ، وترتيبها المألوف ، فاستقرّت بعد الاضطراب ، وتوطَّنت بعد الاغتراب . وفي خلال ذلك تردّدت الرسل إلينا في عقد الصلح وإمضائه ، ودفن ما كان