تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وتهللت بالبشر سعوده ، وشهد بصدق المحبة الصادقة شهوده ، وطلع من الجانب الغربيّ هلاله فلاحت بالمشرق بحسن التلقّي سعوده ؛ فقرّ منه برؤيته الناظر ، وابتهج بموافاته الخاطر ، ولاحت من جوانبه لوائح البشر فأحسن تلقّيه سلطاننا الناصر . وقابلناه من القبول بما كاد باطنه لكمال الموافاة يكون عنوانا للظاهر ، وفضضنا ختامه المصون عن بديع كلام مخترع ، وبنات فكر قبله لم تفترع ، وفصاحة قد أحكم اللَّسن مبانيها ، وبلاغة تناسبت ألفاظها فكانت قوالب لمعانيها ، وبراعة قد أحسنت البديهة ترتيبها فجاءت وتواليها تتبع هواديها ؛ وفهمنا ما أظهره من كوامن المحبة التي بلغت من القلب الشّغاف ، وبوارح الشوق الذي عندنا من مثله أضعاف أضعاف ؛ وانتهينا إلى ما أشار إليه المقام العالي من التلويح إلى ما طرق أطراف ممالكنا الشريفة من طارق الاعتدا ، وما كان من الواقعة التي كان خبرها لفظاعته يكون كالمبتدأ . ونحن نبدي لعلم المقام العالي ما يوضّح له أنّ ما وقع من هذه القصّة لم يكن عن سوء تدبير ، ونورد عليه من بيان السبب ما يحقّق عنده أنّ ذلك لم يكن لعجز ولا تقصير ، بل لأمر قدّر في الأزل ، ومقدور اللَّه تعالى لا يدفع بالحيل . وذلك أنه لما اتّصل بمسامعنا الشريفة قصد العدوّ إلى جهتنا ، وتجاوزه حدّ بلاده إلى أطراف مملكتنا ؛ بادرنا الحركة إليه في عسكر لجب ، وجيوش يضيق عن وسعها الفضاء الرّحب ؛ من كل بطل عركته الحروب ، وثقّفته الخطوب ، وحنّكته التّجارب ، وعجم عوده بكثرة المنازلات قراع الكتائب . قد امتطى طرفا ( 1 ) عربيّ الأصل كريم الحسب ، خالص العتق صريح النّسب ؛ يفوت الطَّرف مدى باعه المديد ، ويسبق حافره موقع بصره الحديد . ولبس درعا قد أحكم سردها ، وأبرم
هامش
( 1 ) الطَّرف : الكريم من الناس والخيل ونحوها .