تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
والإستبرق ليكون لفضل اللَّه مظهرا ولإحساننا مبينا ، واتّخذ لسهام القسيّ ليوم اللَّقاء الألسن الحداد ، ومدّ يد المظاهرة ببيض قصار وسمر صعاد . فلمّا جاسوا خلال تلك الدّيار ، وما سوا يرفلون في حلل الإيمان التي تشفي صدور قوم مؤمنين وتغيظ الكفّار ، لم يسلكوا شعبا إلا سلك شيطان الكفر شعبا سواه ، ولا وطئوا موطئا إلَّا وكلّ كافر يأباه ؛ ولا نالوا من عدوّ نيلا إلَّا كتب لهم به عمل صالح كما وعدهم اللَّه ؛ وما أتوا لهم على ضرع حافل إلا جفّ ، ولا مرّوا على زرع حاقل ( 1 ) إلا أصبح هشيما تذروه الرّياح أو حطيما تكفيه الكفّ ؛ ولا هشيم إلا حرّقوه ، ولا جمع إلا فرّقوه ، ولا قطيع شاء إلا قطَّعوه ومزّقوه ، ولا ضائز ( 2 ) إلا ضنّوا عليه أن يدعوه لهم أو يطلقوه ، وما برحوا كذلك إلى أن نازلوا البلد المسمّى بآياس ، فحصل لأهله من مسمّاه الأشتقاق الأصغر والاشتقاق الأكبر ( 3 ) بقطع الأمل منه واتّصال الإياس ؛ فناداهم من بذلك الحصن من أسارى المؤمنين .
يا رحمة اللَّه حلَّي في منازلنا حسبي برائحة الفردوس من فيك
هامش
( 1 ) أحقل الزرع : تشعّب . وأحقلت الأرض : صارت حقلا . والحاقل هو الأكّار . ( 2 ) الضائز الجائر . وفي التنزيل العزيز : « تلك إذا قسمة ضيزى » أي جائرة : النجم / 22 . ( 3 ) الاشتقاق في دلالته الوضعية هو توليد لبعض الألفاظ من بعض ، والرجوع بها إلى أصل واحد يحدد مادتها ويوحي بمعناها المشترك الأصيل مثلما يوحي بمعناها الخاص الجديد . وهناك ثلاثة أنواع شائعة من الاشتقاق وهي : الأصغر والأكبر والكبير ؛ ويلحق بها نوع رابع وهو « النحت » ويسميه بعض المحدثين « الاشتقاق الأكبر » . والاشتقاق الأصغر ، وهو الأكثر ورودا في العربية ، هو تقليب تصاريف الكلمة حتى يرجع منها إلى صيغة هي أصل الصيغ كلها ، دلالة اطراد أو حروفا غالبا ؛ فالرابطة المعنوية العامة لمادة ( ع رف ) التي تفيد انكشاف الشيء وظهوره - تتحقق في جميع الكلمات الآتية : عرف ، عرّف ، تعرّف ، تعارف ، عرف ، أعراف ، عرفان الخ . ولقد اصطلحوا على أن الاشتقاق الأكبر هو ارتباط بعض المجموعات الثلاثية الصوتية ببعض المعاني ارتباطا عاما لا يتقيد بالأصوات نفسها بل بترتيبها الأصلي والنوع الذي تندرج تحته . وحينئذ متى وردت إحدى تلك المجموعات الصوتية على ترتيبها الأصلي فلا بد أن تفيد الرابطة المعنوية المشتركة ، سواء احتفظت بأصواتها نفسها أم استعاضت عن هذه الأصوات أو بعضها بحروف أخر تقارب مخرجها الصوتي . مثل : هديل الحمام وهديره ، وكشط الجلد وقشطه ( انظر : دراسات في فقه اللغة العربية : 174 - 210 - 211 . وفقه اللغة : 175 وما بعدها ) .