تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
صرفا ، إلى أن أخذوه في جماعة من بني أبيه ، وشرذمة قليلة ممّن كانت تخالصه في الشدائد وتوافيه ، وأن المقام العالي بعد ذلك سيّر مطارف العدل في الرعيّة ، وأقرّ أحوالهم في عدم التعرّض إلى الأموال والذّرّية ، على ما هو المسنون في قتال البغاة من الأمور الشرعيّة . وفهمنا جميع ما شرحه في هذا الفصل ، وما أخبر به من هذا الظَّفر الذي ابيضّ به وجه الفتح وإن كان قد احمرّ به صدر النصل ؛ واللَّه تعالى يزيد ملكه رقيّا ، ويجزيه لقبول النّعم لقيّا ، ويجعله دائما كوصفه مظفّرا وكاسمه عليّا . وأن المقام العالي لما فرغ وجهه من هذه الوجهة ، وحاز هذا الملك الذي لم يحز آباؤه كنهه ، عاد إلى المهمّ الذي قدم فيه سلطان الأندلس لأنه أبدى ما المسلمون فيه من محاورة الأذى ، ومجاورة العدا ؛ وقرب المسافة بين هذين العدوّين كالشّجا ، وفي عيونهم كالقذى . وأنه ثوى به من الطَّغاة من أسدل على المسلمين أردية الرّدى ، وأنه على جانب البحر المعروف بالزّقاق ( 1 ) ، وبه قطَّان يمنعون الإرفاد والإرفاق ، ويصدّون عن السبيل من قصد سلوكه من الرفاق . وأن البرّ أيضا مملوء منهم بصقور صائده ، وعلوج مكايده ، وكفّار معانده ، وفجّار على السّوء متعاضده ، والبحر مشحون بغربان طائرة بأجنحة القلوع طارده ، صادرة بالموت وارده ، جارية في فلك البحر كالأعلام إلا أنّها بالإعلام بالخبر شاهده ، تتخطَّف كلّ آمّ وقاصد ، وتقعد لأهل الإيمان بالمراصد ، وتدني الموت الأحمر ، ممن ركب البحر الأخضر ، وتمنع السالك ، إلا أن يكون من أهل الضّلال الحالك ، من بني الأصفر . وأنّ المقام العالي عند ذلك قام للَّه وغار ، وأنجد جنوده في طلب الثار من أهل النار وأغار ، وأنجد قاصد حرمه ببعوث كرمه وأعار ، وأرسل عقبان فرسانه محلَّقة إلى ذلك الجبل الشّامخ الذّرى وأطار ، إلى أن أحاطت بهم جنوده إحاطة الآساد بالفرائس لا إحاطة الهالات بالأقمار ، فما منهم إلَّا من أعمل على العدا
هامش
( 1 ) مضيق جبل طارق Detroit de Gibraltar .