تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
بسجلماسة ( 1 ) ، وخبر صدق أوجب أن يعامل بما يليق بجميل السياسة وحريز الحراسة ؛ فجنّد المقام له جنودا ، وعقد بنودا ، وأضرى أسودا أوهنت كيده ، وأذهبت أيده ، وعاجلت صيده ، وأذالت باسه ، وأزالت عنه سيما الملك ونزعت لباسه . وأنه في غضون ذلك أتاه سلطان الأندلس ( 2 ) يستصرخ به على عدوّ اللَّه وعدوّ المؤمنين ، ويستعديه على الكفرة المعتدين ، وأنّ المقام لبّى دعوته مسرعا ، وأكرم نزله ممرعا ، ووعده الجميل ، وحقّق له التأميل . وأن صاحب تلمسان لما غرّه الإمهال ، وظنّ هذه المهامّ توجب للمقام بعض اشتغال ، أعمل أطماعه ( 3 ) في التجرّي على بعض ممالكه المحروسة ومدّ ، وسار إلى محلّ هو بينهما كالحدّ . وأنّ المقام عند ذلك صرف إليه وجه العزم ، وأخذ في حفظ شأنه بما لأعلام النصر من نصب وما للاعتداء من رفع وما للاهتمام من جزم . وأنه لم يقدر عليه إلا بعد أن حذّره من أليم العقاب حلولا ، وتمسك فيه بقوله تعالى : * ( وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) * ( 4 ) [ ولمّا ] ( 5 ) لم ينفعه الإنذار ، وأبى إلا المداومة والإصرار ، أرسل إليه المقام العالي من جيشه الخضمّ ، وعسكره الذي طالما تعضّده ملائكة السماء وإلى أعداده تنضمّ ، كلّ باسل يقوم مقام الكتيبة ، وكلّ مشاهد يشاهد منه في العرين كلّ غريبه ، وكلّ ضرغام تعرف العدا مواقع ضربه لكنها تجهل ندّه أو ضريبه ، فأذاقوه كأس الحمام صرفا ، ولم يبتغوا عن حماه بدون نفسه عدلا ولا
هامش
( 1 ) بلدة قديمة بالمغرب كانت قصبة تافيلالت . وهي اليوم أطلال ، تقع على الشاطيء الأيسر لوادي زيز . قيل إنها شيدت سنة 758 م بناها بربر مكناسة ؛ وحكمها بنو مدرار 771 / 772 م واستولى عليها جوهر القائد 958 / 959 م . زارها ابن بطوطة سنة 1351 م وقال إنها من أجمل البلدان . ( الموسوعة العربية الميسرة : 971 ومعجم البلدان : 3 / 192 ) . ( 2 ) استنجد به بنو الأحمر عندما احتل الفرنج جبل طارق . ( 3 ) كان بنو زيان أصحاب تلمسان على غير وفاق مع بني مرين ، فصالحهم أبو الحسن ، ولكنهم نكثوا فزحف عليهم سنة 735 ه فافتتح وجدة وهدم أسوارها واستولى على وهران وهنين ومليانة والجزائر وجدد بناء « المنصورة » بقرب تلسمان ، ثم تمّ له فتح تلمسان وأطاعته زناتة . ( الأعلام : 4 / 311 ) . ( 4 ) الإسراء / 15 . ( 5 ) في الأصل « فلم ينفعه » بدون لما .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 426 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين