تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
بحلاوته الأوراق ؛ وإذا معناه ألطف من النّسيم الساري ، وأعذب مذاقا من الماء الجاري ؛ وإذا سجعه يفوق سجع الحمائم ، ويزري بالرّوض الضاحك لبكاء الغمائم ؛ وإذا سلامه قد حيّته الأزاهر ، وطوى بعرفه نشر الروض الزّاهر ؛ وإذا هناؤه قد ملك عنان التّهاني ، واستمطر عنان الأمان من سماء الأماني ؛ فعبّر لنا لفظ عبيره عن معنى المحبّة ، وقرّب شاسع الذّكر وإن بعد المدى بين الأحبّة ؛ وأقام شاهد الإخاء على دعوى الإخلاص فقبلناه ، ونادى مطيع المودّة فاستجبنا له ولبّيناه ؛ سقيا له من كتاب غذّي بلبان الفصاحة ، وجرى جواد التماحه من مضمار الملاحة ؛ لا عيب فيه ، سوى بلاغة فيه ، ولا نقص يعتريه ، سوى كمال باريه ؛ لعمري لقد فاق الأواخر والأوائل ، فما أجدر كلامه بقول القائل :
وكلام كدمع صبّ غريب رقّ حتّى الهواء يكثف عنده ! راق لفظا ورقّ معنى فأضحى كلّ سحر من البلاغة عبده !
للَّه درّه من كتاب حلب درّ الأفراح ، وجدّد من أثواب المسرّة ما كان قد أخلقته يد الأتراح ؛ فهمنا معناه فهمنا ، وشرحنا متن فحواه فانشرحنا ؛ وعلمنا ما اتّصل بسماعكم من خبرنا العجيب ، وحديث أمرنا القديم الغريب ، الذي أظهر فينا للَّه أسرارا ، وكتب لنا منه عناية كبت بها أشرارا ؛ جلّ جلاله خافض رافع ، معل بحكمته واضع ؛ سبحانه أوجد بعد العدم وأنسى ثم أنشأ ، قل اللَّهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشا ؛ كسر وجبر ، وقرن المبتدأ بالخبر ؛ وهب ما كان سلب ، وجعل لصبرنا حسن المنقلب ؛ أعادنا إلى الملك مع كثرة الأعداء وقلَّة الأنصار ، وأظهرنا بعد الخفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار ؛ وأبرز إبريزنا بعد السّبك خالصا يروق الناظر ، ويفوق برونقه وجه الروض الناضر ؛ فاعلموا أنّ للَّه في ذلك سرّا خفيّا ، لم يزل ببركة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بنا حفيّا ؛ قمتم لنا فيه بواجب الهنا ، وأحاط بنا طولكم الطويل من هاهنا وهاهنا ؛ فاستجلينا من كتابكم عرائس بشراه ، وحمدنا عند صباح طرسه ليل مسراه ؛ وشكرنا له هذه الأيادي التي تقصر عنها الأيدي المتطاولة ، وثنينا إليكم عنان الثناء الذي فاق بمخايله الروض الأريض وخمائله .