تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
القتل بهم والإسار إلى التكفور ليفون ( 1 ) ملك الأرمن الذي كان يحمي سرحهم ، ويمرّد صرحهم ، ويستنطق هتف التّتار ويسترجع صدحهم ؛ وتعتزّ طرابلس الشام بأنّه خال ابرنسها ( 2 ) الكافر ، ولسان شورته السّفير ووجه تدبيره السّافر . وطالما غرّ وأغرى ، وأجرّ وأجرى وضرّ وأضرى ؛ فلما توكَّل مولانا السلطان وعزم فتوكَّل ، وتحقّق أنّ البلاء به قد نزل وما تشكَّك أنّ ذلك في ذهن القدر قد تصوّر وتشكَّل ؛ وأنّ يومه في الفتك سيكون أعظم من أمنيّته ، وأعظم منهما معاداة غده ، وأنّ نصر اللَّه لن يخلفه صادق وعده ؛ أكل يده ندامة على ما فرّط في جنب اللَّه وساق الحتف لنفسه بيده ، فعمر اللَّه بروحه الخبيثة الدّرك الأسفل من النار ، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لهما غير الملك من خمّار . وكانت طرابلس هي ضالَّة الإسلام الشّريدة ، وإحدى آبقاته ( 3 ) من الأعوام العديدة ؛ وكلما مرّت شمخت بأنفها ، وتأنّقت في تحسين منازه منازهها وتزيين ريحانها وعصفها ( 4 ) ، ومرّت وهي لا تغازل ملكا بطرفها ، وكلَّما تقادم عهدها تكثّرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها إذ البحر لها جلباب والسّحاب لها خمار ، وليس لها من البرّ إلا بمقدار ساحة الباب من الدار ؛ كأنها في سيف ذلك البحر جبل قد انحطَّ ، أو ميل استواء قد خرج عن الخطَّ ، وما قصد أحد شطَّها بنكاية إلَّا شطَّ واشتطَّ . قدّر اللَّه تعالى أن صرف مولانا السلطان إليها العنان ، وسبق جيشه إليها كلّ خبر و « ليس الخبر كالعيان » ، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد حرسته عيونها وتلك المخاوف كلَّها أمان ، وقد اتّخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمدّ عنان ؛ وفي خدمته جنود لا تستبعد مفازه ، وكم راحت
هامش
( 1 ) التكفور : من ألقاب ملوك الأرمن . والمقصود هنا هو : ليفون ( ليون ) بن التكفور هيثوم بن قسطنطين بن باسال ؛ واسمه لما ملك ليون الثالث ( Leon III ) وقد أمتد حكمه من 669 - 688 ه / 1270 - 1289 م . ( سيرة الملك المنصور : 31 - 92 - 256 ) . ( 2 ) إبرنس Prince = أي الأمير . ( 3 ) الآبقة : الهاربة . ( 4 ) العصف : ورق الزرع . والورق الذي ينفتح عن الثمرة . والعصف والعصافة أيضا : حطام التبن ودقاقه .