تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وكلّ بحر عذب يمون كلّ غاز لا يحبس عن جهاد الكفّار في عقر الدّار الشّكائم ، وكلّ بحر ملح كم تغيّظ من مجاورة أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم . المملوك يخدم خدمة يقتفي فيها أثر والده ، ويجري في تجميلها على أجمل عوائده ، ويستفتح فيها استفتاحا تحفّ به من هنا ومن هنا تحف محامده ، ويصف ولاء قد جعله اللَّه أجمل عقوده وأكمل عقائده ؛ ويشفعها بإخلاص قد جعله ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده ؛ ويطلع علمه على أن من سجايا المتعرّضين إلى الإعلان بشكر اللَّه تعالى في كلّ ما يعرض للمسلمين من نصر ، ويفترض لهم من أجر غزو كم قعد عنه ملك فيما مضى من عصر ؛ أن يقدروا هذه النعمة حقّ قدرها من التحدّث بنعمتها ، والتنبيه بسماع نغمتها ، وإرسال أعنّة الأقلام بها في ميادين الطَّروس ، وإدارة حرباء وصف حرّ حرب ( ؟ ) إلى مواجهة خير الشّموس . ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد خلَّد اللَّه سلطانه قد أصبحت ذكرى للبشر ، ومواقفه للنصركم جاءت هي والقدر على قدر ؛ وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو في الأسمار ، وهذه جادّة تستطيب منها حسن الحدو السّفّار ؛ فكم قاتلت من يليها من الكفّار ، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار . ولمّا أذلّ اللَّه ببأسها طوائف التّتار في أقاصي بلاد العجم ، وجعل حظَّ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجوههم الوجم ؛ وأخلى اللَّه من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم ، وقصّرت بهم هممهم حتّى صاروا يخافون الصّبح إذا هجم ، والظَّنّ إذا رجم ؛ وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض لأجنح من خوفه وما احتجم . وأباد اللَّه الأرمن فحل بالنّبيل منهم الويل ، وما شمّر أحد من الجنود الإسلاميّة عن ساعد إلا وشمّر هو من الذّلّ الذيل ؛ ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنّوه مساء قد أقبل أو ليل ، وانتهت نوبة