قصورها صعيدا ( 1 ) ، وزرعها حصيدا ، وعقائلها ( 2 ) إماء ، ومعاقلها هباء ؛ وابتذلت مصونها الذي جعله اللَّه لها أثقالا ، واختارت من حصونها لملكنا ما كانت سيوفنا له مفاتح فلمّا فتح عدن له أقفالا ؛ واقتلعت من القلاع التي كانت بيد الكفر كلّ معقل أشب ( 3 ) ، وحصن شابت نواصي اللَّيل وهو لم يشب ؛ قد صفّح بالصّفاح ، وشرّف بأسنّة الرّماح ، واستدار بقنّة قلة ينهب الترقّي إليها هوج الرّياح ؛ فطهّرته من النّجس ، وعوضّته بصوت الأذان عن صوت الجرس ، وأخرست الناقوس بسورة الفتح الذي عوذّته نوب الدهر بآيات الحرس ؛ مع ما أضيف إلى تلك القلاع من بلاد وتلاد ، وأغوار ونجاد ؛ وجنّات وعيون ، وأموال ارتجع بها ما كان للإسلام في ذمّة الكفر من بقايا الدّيون . وكلّ تلك الغنائم منحناها جيوشنا المنصورة وأبحناها ، وقوّيناهم على أمثالها من الفتوح برفع العوائق التي أزلناها ، بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة وأزحناها ؛ وما وصل الآن قصّاده إلى أبوابنا العالية إلا والبشائر تنطق بألسنة التّهاني ، وتخفق بمجدّدات هذه الفتوح في الأقاصي من ممالكنا والأداني ؛ وقد شاهدوا ذلك وشهدوه ، ورأوا ما رأى غيرهم من نوادر الفتوح التي أربت على ما ألفوه من قبل وعهدوه . هذا وما وضعت الحرب إلى الآن أوزارها ، ولا خمدت نار الوغى التي أعدّت جيوشنا المنصورة للأعداء أوراها ؛ وما يمضي وقت إلا والبشائر متواردة علينا بفتح جديد ، ونصر له في كلّ يوم مخلَّق تخلَّق وفي كل برّ بريد . وقصارى أمر العدوّ الآن أنهم ليس لهم بلد ، إلا وقد ( أخنى عليه الذي أخنى على لبد ) ( 4 ) ؛ ولا دار إلا وقد أضحت كدار ميّة التي ( أقوت وطال
هامش
( 1 ) الصعيد : وجه الأرض والتراب .
( 2 ) العقائل : جمع عقيلة وهي السيدة المخدرة والزوجة الكريمة .
( 3 ) أشب الشجر أشبا : اشتد التفافه وكثر حتى لا مجاز فيه ، فهو أشب . ويقال : مكان أشب وبلدة أشبة .
( 4 ) إشارة إلى بيت النابغة الذبياني :أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا
أخنى عليها الذي أخنى على لبد .ولبداسم آخر نسور لقمان بن عاد ؛ وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسفي لها ، فلما أهلكوا خيّر لقمان بين بقاء سبع بعرات سمر من أظب عفر في جبل وعر لا يمسها القطر ، أو بقاء سبعة أنسر كلما أهلك نسر خلف بعده نسر ، فاختار النسور فكان آخر نسوره يمسى لبدا . ( انظر اللسان : 3 / 385 ) .