تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
عنان القلم فيما كان ينبغي طيّ خبره وتعفّي أثره ، وإخفاء سببه وتركه نسيا منسيّا فضلا عن التبجّح بذكره ، والتهنئة به ، إذ في ذلك مقابلة البحر بالثّماد ( 1 ) ، والرّوح بالجماد ؛ والشّمس بالذّبال ، والهدى بالضّلال ؛ فلم يكمل له في ذلك المراد ، وأتى بما قالت له التهاني : ( نحن في واد وأنت في واد ) ؛ وقابلناها مع ذلك بالقبول الذي اجتلى غررها ، وأحمدت لديه وردها وصدرها ، فأحطنا علما بما تضمّنته من الأحوال التي أبداها ، والمتجدّدات التي عظم موقع نشرها عنده فأهداها . وأما ما ذكره من أمر القلعة التي كان [ النائب بها ] لوالده شخصا اعتمد عليه ، وولَّاه مستحفظا ظنّه مع تغاير الأحوال مؤتمنا على ما في يديه ؛ وأن ذلك الشخص بعد انتقال والده رحمه اللَّه طمع فيما استودع فجحد الوديعة والموادعة ، ورام المنازعة والمقاطعة ، وخالف وحالف ، وقارب العصيان وقارف ( 2 ) ؛ وأنه في هذا الوقت قلع ذلك النائب ، من تلك القلعة المغتصبة ، وأراح من همّه الناصب ، وأفكاره ووصبه ( 3 ) إلى غير ذلك مما أورده على وجه البشرى لهذا السبب الضّعيف ، وأبرزه في معرض التهنئة من هذا الأمر الطفيف ؛ وأراد أن يتكثّر فيه بما لا مدخل له في كثرة وقلَّه ، فذكر بروزه بجمعه إلى شخص واحد في قبالة ما اتصل به من نبإكل موطن برز فيه الإسلام كلَّه إلى الشّرك كلَّه ؛ وظاهر الأمر أنّ ذلك الشخص ما عصى بالمكان الذي كان فيه إلا لما رأى بالمملكة اليمنيّة من اضطراب الأحوال ، وأسباب الاختلاف والاختلال ، والوهن الذي حسّن له الاحتراز والاختزال ، والخلوة التي حملته على أن ( طلب الطَّعن وحده والنّزال ) ، وامتداد الأيدي العادية بكلّ جهة إلى ما يليها ، وضياع رعايا كلّ ناحية بالاشتغال عن افتقاد أحوال من يباشرها وانتقاد تصرّف من يليها ؛ فهو الذي أوجب طمعه ، وقوّى ضلعه ( 4 ) ، وحمله من مركب العناد ، وأراه نظراءه بتلك الجهة ممّن سلك الفساد .
هامش
( 1 ) الثّمد : الماء القليل الذي ليس له مدد ، والجمع : أثماد وثماد . ( 2 ) قارف وقارب بمعنى واحد . ( 3 ) الوصب : الوجع والمرض والتعب والفتور في البدن . ( 4 ) يقال : الضّلع والضّلع ، بالتسكين والتحريك ، وهما واحد .