تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
كان وما يكون في كل زمان ومكان ؛ تاهت في ميادين فلوات معرفته سوابق جياد الأفهام ، وتدكدكت لهيبة جلاله جبال العقول والأوهام ؛ وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد حبيب الرحمن ، وسيد الأكوان ، وصاحب المعجزات والبرهان ، المبعوث إلى الخلق أجمعين من الإنس والجانّ ، والمنعوت بالفضل العميم ، والخلق العظيم ، في التّوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام الحسان ، وعلى التابعين لهم بإحسان ، وسلَّم تسليما كثيرا ما تعاقب الحدثان . وبعد ، فقد وصل إلى أبوابنا الشريفة العالية كلّ ما جهّزته أوّلا وآخرا يا أمير تيمور من كتاب ، وأحاطت علومنا الشريفة بما فيها من كلام وخطاب ؛ وقصد وعتاب ، وإرعاد وإرغاب وإرعاب . فأما ما ذكرته في أوّل كتبك من ألقابنا الشريفة بالتعظيم ، والتّبجيل والتفخيم ؛ فقد علمناه وعرفناه ، ولكن وجدنا الكلمتين اللتين في الطمغات آخر الكتب وهما راستي رستي منافيتين لذلك التعظيم ، وهذا غير مستقيم ؛ لأنه متناقض غير متناسب ، فعجبنا من هذا التناقض الواضح ، والتخالف الفاضح ؛ وفي المثل السائر : « أصلح وقابل وأفسد وقابل » . وأمّا إرسالك السيف والتّركاش ( 1 ) لنا ، فقد تعجّبنا منه إلى الغاية ، وأنكرناه إلى النّهاية : لأنك لم تزل في كتبك كلَّها تستشهد بتاريخ جنكزخان وأخباره وأحواله ، وتقتدي به في أقواله وأفعاله ؛ وما سمعنا في التواريخ ولا أتّفق قطَّ من جنكزخان ، ولا ممن تقدّمه وتأخّره من ملوك مملكته في زمن من الأزمان ، أنّه أهدى إلى خادم الحرمين الشريفين سيفا ولا تركاشا ؛ ما اختلف في ذلك اثنان . فإرسالهما منك إلينا هل هو من باب المحبة أو لا ، وإن كان تخويفا ، فنحن ما نخاف من سيفك وتركاشك بعناية اللَّه العظيم الأعلى .
هامش
( 1 ) التركاش : لفظ فارسي الأصل ومعناه الكنانة أو الجعبة التي توضع فيها النشاب . ( التعريف بمصطلحات الصبح : 76 ونزهة النفوس : 3 / 251 ) .