ولو على أجنحة الطير ومتون الرّياح ؛ وقد مضت مدّة مديدة لم يقدم علينا من المقام الشريف - عظَّم اللَّه تعالى شأنه - رسول يطفئ لواعج الاشتياق ، ولا ورد عنه كتاب يتعلَّل المحبّ بتلقّيه عن حقيقة التّلاق ؛ بل سدّ باب المكاتبة حتّى كأنّ المكاتبة لم تخلق ؛ وأغلق باب المراسلة وإن كان باب المحبّة - بحمد اللَّه - لم يغلق ؛ فطمح بخاطرنا الشريف طامح الشوق المتزايد ، وحملنا موصول المحبّة المستغني بمواصلته عن الصّلة والعائد ، أن نفاتح المقام العالي دامت معدلته بهذه المفاوضة : لتجدّد من العهود القديمة رسومها ، وتطلع من مشارق المخاطبة نجومها ؛ وتنسخ آية الهجران وتمحوها ، وتصقل مرآة المصافاة وتجلوها ، وتستجلب الأنس وإن صحّ الميثاق ، وتذكَّر الخواطر الوداد وإن ثبتت منه الأصول ورسخت الأعراق ، وتنوب عن نظرنا الشريف في مشاهدة محيّاه الكريم ، ومصافحة كفّه التي حديث ودّها قديم ، وتستطلع أخباره ، وتستعرض على تعاقب الأزمان أوطاره .
وقد اخترنا لتبليغ رسالتها ، وأداء أمانتها ، المجلس السامي المقرّب الأمين خواجا فلان أعزّه اللَّه تعالى ، وحمّلناه من السلام ما يهتدي بضوئه الساري ، ويفوق بعرفه العنبر الشّحريّ ( 1 ) والمسك الدّاري ( 2 ) : ليحكم بحسن السّفارة من المخالصة مبانيها ، ويعقد منها بمتابعة الرّسل والقصّاد أواخيها ؛ وجهّزنا صحبته كذا وكذا على سبيل الهديّة المندوب بذلها وقبولها ، والحاكم بصحة عقد المحبّة كثيرها وقليلها ؛ واللَّه تعالى يزيد في ارتفاع قدره الخطير ، ويحوط به من ملكه الجنكزخاني ما يحقّق أنه صاحب التاج والسّرير .
هامش
( 1 ) نسبة إلى « الشّحر » ، بكسر أوله وسكون ثانيه . والشّحر هو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن . قال الأصمعي : هو بين عدن وعمان ، وإليه ينسب العنبر الشحريّ لأنه يوجد في سواحله . ( معجم البلدان : 3 / 327 ) .
( 2 ) نسبة إلى دارين . قال ياقوت : وهي فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند . والنسبة إليها داريّ . ( معجم البلدان : 2 / 432 ) .