تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
وأن الحسرة بمقدارها على تركه تجبر ، وأنّ الأعمار أحلام ، وأنّ الناس نيام ، وربّما رحل الراحل عن الخان ، وقد جلَّله بالأذى والدّخان ، أو ترك به طيبا ، وثناء يقوم بعده للآتي خطيبا ، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا ، والتفقّد للثّغور مسواكا ، وضجيع المهاد ، حديث الجهاد ، وأحكامه مناط الاجتهاد ، وقوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ ) * ( 1 ) من حجج الاستشهاد ، وبادرنا من الحصون المضاعة وجنح التّقيّة دامس ، وساكنها بائس ، والأعصم في شعفاتها من العصمة يائس ، فزيّنّا ببيض الشّرفات ثناياها ، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها ، وغشّينا بالصّفيح المضاعف أبوابها ، واحتسبنا عند موفّي الأجور ثوابها ، وبيّضنا بناصع الكلس أثوابها ، فهي اليوم توهم حسّ العيان ، أنها قطع من بيض العنان ، تكاد تناول قرص البدر بالبنان ، متكفّلة للمؤمن من فزع الدنيا والآخرة بالأمان ، وأقرضنا اللَّه قرضا ، وأوسعنا مدوّنة الجيش عرضا ، وفرضنا إنصافه مع الأهلة فرضا ، واستندنا من التوكَّل على اللَّه الغنيّ الحميد إلى ظلّ لواء ، ونبذنا إلى الطاغية عهده على سواء ، وقلنا : ربّنا أنت العزيز وكلّ جبّار لعزّك ذليل ، وحزبك هو الكثير وما سواه فقليل [ أنت الكافي ، ووعدك الوعد الوافي ، فأفض علينا مدارع الصابرين ( 2 ) ] واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظافرين ، وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين . فتحرّكنا أولى الحركات ، وفاتحة مصحف البركات ، في خفّ من الحشود ، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفّرة والجنود ، إلى حصن ( 3 ) آش البازي المطل ، وركاب العدوّ الضالّ المضل ، ومهدي نفثات الصّلّ ( 4 ) ،
هامش
( 1 ) سورة الصفّ 61 ، الآية 10 . ( 2 ) الزيادة من ريحانة الكتاب ص 190 . ( 3 ) أغلب الظن حصن آشر ، Iznajor ، الذي يقع في الجنوب الشرقي لحصن روطه Rute على ضفة رافد من روافد نهر شنيل Genil بالأندلس ، وقد ورد اسم هذا الحصن في كتاب ابن الخطيب ، إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، على لسان مخدومه السلطان الغني باللَّه . انظر نفح الطيب ( ج 6 ص 368 ) . ( 4 ) الصلّ : حيّة ، وقيل : حيّة صفراء تكون في الرمل إذا رآها الإنسان لا يزال يرتعد حتى يموت .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 547 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين