الهوادي والأكفال ، وكان إلى غزو مدينة جيّان ( 1 ) الاحتفال ، قدنا إليها الجرد تلاعب الظَّلال نشاطا ، والأبطال تقتحم الأخطار رضا بما عند اللَّه واغتباطا ، والمهنّدة الزّرق تسبق إلى الرقاب استلالا واختراطا ، والرّدينيّة ( 2 ) السّمر تسترط حياة النفوس استراطا ، وأزحنا العلل عمّن أراد جهادا منجيا غباره من دخان جهنّم ورباطا ، ونادينا الجهاد الجهاد ، يا أمة الجهاد ، راية النبيّ الهاد ، الجنّة الجنة تحت ظلال السيوف الحداد ، فهزّ النداء إلى اللَّه تعالى كلّ عامر وغامر ، وأتمر الجمّ من دعوة الحقّ إلى أمر آمر ، وأتى الناس من الفجوج العميقة رجالا وعلى كلّ ضامر ، وكاثرت الرايات أزهار البطاح لونا وعدّا ، وسدّت الحشود مسالك الطريق العريضة سدّا ، ومدّ بحرها الزاخر مدّا ، فلا يجد لها الناظر ولا المناظر حدّا .
وهذه المدينة هي الأمّ الولود ، والجنة التي في النار لسكَّانها من الكفّار الخلود ، وكرسيّ الملك ومجنبته الوسطى من الممالك باءت بالمزايا العديدة ونجحت ، وعند الوزان بغيرها من أمّات البلدان رجحت ، غاب الأسود ، وجحر الحيّات السّود ، ومنصب التماثيل الهائلة ، ومعلق النواقيس الصائلة .
وأدنينا إليها المراحل ، وعيّنّا لتجّار المحلات المستقلات منها الساحل ، ولما أكثبنا جوارها ، وكدنا نلمح نارها ، تحرّكنا ووشاح الأفق المرقوم ؛ بزهر النجوم ، قد دار دائره ، والليل من خوف الصّباح ، على سرحه المستباح ، قد شابت غدائره ، والنّسر يرفرف باليمن طائره ، والسّماك الرامح يثأر ثغر الإسلام ثائره ، والنعائم راعدة فرائص الجسد ، من خوف الأسد ، والقوس يرسل سهم السعادة ، بوتر العادة ، إلى أهداف النّعم المعادة ، والجوزاء عابرة نهر المجرّه ،
هامش
( 1 ) جيّان Jaen ، بالفتح ثم التشديد ، مدينة تبعد عن قرطبة سبعة عشر فرسخا ، ولها كورة واسعة بالأندلس ، معجم البلدان ( ج 2 ص 195 ) .
( 2 ) أي الرماح المنسوبة إلى ردينة ، وهي امرأة في خط هجر كانت وهي وزوجها سمهر يقوّمان الرماح فنسبت إليهما ، يقال : رمح ردينيّ وسمهريّ .