إلى المقام الباهر الأنوار ، العزيز الجوار ، فواصل هذا الموضع قبل مقدم العبد عليه ، مقرّرا ما نزل به ، ومستأذنا في الوجه الذي تعرّض لطلبه ، فأذن له في مقصده ، وانصرف عن التأهّب للحركة من بلده . ثم لما وصل العبد هذه الجهة وفرغ هو من شأنه أقبل متوجّها إلى الباب الكريم ، ومتوسّلا بأمله إلى فضله العميم ، والظاهر من حنقه على أهل أرغون وشدّه عداوته لهم ، وما تأكَّد من القطيعة بينه وبينهم ، أنه إن صادف وقت فتنة معهم ووجد ما يؤمّله من إحسان الأمر العالي ، أيّده اللَّه ، فينتهي من نكايتهم والإضرار بهم إلى غاية غريبة الآثار ، مفضية به إلى درك الثار ، وكثير من زعماء أرغون ورجالها أقاربه وفرسانه ، وكلَّهم في حبله حاطب ، ولإنجاده متى أمكنه خاطب ، وللمقام الكريم أعلى الرأي فيه أبقاه اللَّه شافيا للعلل ، وكافيا طوارق الخطب الجلل ، مأمولا من ضروب الأمم وأصناف الملل ، وهو سبحانه يديم سعادة جدّه ، ويخصّه من البقاء الذي يسرّ أهل الإيمان ويضاعف بهجة الزمان بأطوله وأمدّه ، والسّلام .
الأسلوب الثالث ( أن تفتتح المكاتبة بأوصاف الخلافة والثناء عليها ، والخطاب فيه بأمير المؤمنين وعن المكتوب عنه بنون الجمع )
وهذه المكاتبة من المكاتبات البديعة المسفرة عن صبح البلاغة .
ونسختها بعد البسملة على ما كتب به ابن الخطيب ( 1 ) عن سلطانه ابن الأحمر ( 2 ) صاحب الأندلس إلى المستنصر باللَّه أبي إسحاق إبراهيم خليفة ( 3 )
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 من ص 458 .
( 2 ) هو السلطان أبو الحجاج ( 734 - 755 ه ) وقد تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 من ص 458 وقد يكون ولده الغني باللَّه ( 755 - 793 ه ) .
( 3 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر المتوكل على اللَّه ، ابن يحيى الحفصي ، خليفة الحفصيين بتونس ولي تونس سنة 751 ه ، وطال عهده والفتن محيطة به إلى أن توفي سنة 770 ه . وأبو إسحاق هذا ليس خليفة الموحدين كما يذكر هنا القلقشندي لأن الموحدين انقضى أمرهم في الأندلس والمغرب سنة 668 ه ، وحلّ محلهم بنو حفص في المغرب وبنو الأحمر في الأندلس . انظر ترجمته في الأعلام ( ج 1 ص 34 ) .