تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
والجديدان يسوقان إليه من أيّامهما ولياليهما إماء وعبيدا ، وعلى آبائه الذين سبقت لهم من ربهم الحسنى ، ورغبوا عن عرض هذا الأدنى ؛ ولا تتهم ولاتهم على الخيان ، ولا يتمّ للثقلين أن ينفذوا ما لم يكونوا منهم بسلطان - وعلى أبنائه وجوه الهدى البارزة من الأكنّة ، وأيدي النّدى والأعنّة والأسنّة . كتب عبد الموقف النبويّ خلَّد اللَّه ملكه من مقرّ خدمته بالمكان الفلاني ، وأمور ما عدق به وردّ إلى نظره على أتمّ حال وأكمله ، وأحسن نظام وأجمله ؛ بسعادة مولانا أمير المؤمنين ، صلوات اللَّه عليه وعلى جدّه وآبائه الطاهرين . العبد ينهي أنه لو أخذ في شكر المنن التي ترقّيه في كل يوم لهضاب بعيدة المرتقى ، وتورده جمّات قريبة المستقى ، وتوجب على لسانه أن يبذل جهد من استرسل وعلى قلبه أن يبذل جهد من اتقى ؛ لقصر به الوصف ، وأعياه من ورق الجنّة الخصف ( 1 ) . وكيف يجاري من يده ديمة اللَّه بقلمه ؟ أو كيف ينزح بحر الجود الذي يمدّه سبعة أبحر نعمه ؟ ولما ورد عليه التشريف بالسؤال الذي أحياه بنسيم روحه ، ونفخ فيه من روحه ، فوقع له ساجدا ، وثاب إلى السجود عائدا ، وبذل مع ضراعته الابتهال جاهدا ، وأخلص فرض الولاء معتقدا ورفع لواء الحمد عاقدا ، وكشف عنه الضّرّ ، وأطلعت على وجهه النّعم الغرّ ، وتكافت الأنداد في محل عيشه فحلي الحلو ومرّ المرّ ، وانتهى من الدعوات إلى ما انتهى به المرض ، وتفلل منه الجوهر الذي عزل به العرض ، وصافح بمهجته السّهام التي نفذ بها الغرض ، وكاد يشاهده مرتفعا به الضّنى والألم ، وفعلت أنواره في ظلمته ما لا تفعل الأنوار في الظَّلم ، ولم يرد قبله حلو الأوّل والآخر ، مأمون الموارد والمصادر ، مضمون الشّفاء في الباطن والظاهر ، عادت القلوب على الأجسام بفضله ، وسطت العافية على الأسقام بفضله بل بفضله ، واللَّه سبحانه يملَّكه أعناق البلاد ، كما أجرى على يديه أرزاق العباد ، إن شاء اللَّه تعالى . وكتب في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا .
هامش
( 1 ) يقال : خصف العريان الورق على بدنه إذا ألصقه وأطبقه عليه ورقة ورقة ليستر عورته .