تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
بضرامها ، وأثافيّ ( 1 ) دهم أعجلت المهابة ما ردّ سغبهم ( 2 ) عن طعامها ، وغربان بين كأنها في الديار ما قطع من رؤوس بني حامها ، وعوافي طير كانت تنتظر من أشلائهم فطر صيامها ، وعادت الرسل المنفّذة لاقتفاء آثارهم وأداء أخبارهم ، ذاكرة أنهم لبسوا الليل حدادا على النعمة التي خلعت ، وغسلوا بماء الصبح أطماع نفس كانت قد تطلعت ، وأنهم طلعوا الأوعار أوعالا والعقاب عقبانا ، وكانوا لمهابط الأودية سيولا ولأعالي الشّجر قضبانا - فرأى المملوك أن الكتاب فيهم قد بلغ أجله ، والعزم منهم قد نال أمله ، والفتك بهم قد أعمل منصله ( 3 ) ، وأن سيوف عساكر أمير المؤمنين منزّهة أن تريق إلا دماء أكفائها من الأبطال ، وأن تلقى إلا وجوه أنظارها من الرجال ، وأن المذكورين نمل حطمه سليمان عليه السّلام وجنوده ، ورمل أطاره العاصف الذي يسحفه ( 4 ) ويقوده - وأصدر هذه الخدمة والبلاد من معرّتهم عارية ، والكلمة بانخفاضهم غالية عالية ، ويد اللَّه على أعدائه عادية ، وأنفس المخاذيل في وثاق مهابته العالية عانية - فرأى المملوك أن يرتّب بعده الأمير فلانا ليبذل الأمانات ، لسوقة أهل البلاد ومزارعيها ، ويفصل المحاكمات ، بين متابعي السلطنة ومطاوعيها ، ويفسّح مجال الإحسان لمعاودي المواطن ومراجعيها ، فيعمر من البلاد ما قد شغر ، ويشعر بالأمنة من لا شعر ، فإنّ مقام المملوك ومن معه من عساكر تمنع الشمس من مطلعها ، وتردّ جرية البحر عن موقعها ، مما يضرّ بالغلال وينسفها ، ويجحف بالرّعايا ويعسفها . فالحمد للَّه الذي جعل النصر لائذا بأعطاف اعتزامه ، وأنامل الرّعب السائر إلى الأعداء محرّكة عذبات أعلامه ، والعساكر المناضلة بسلاح ولائه ،
هامش
( 1 ) الأثافيّ : ج أثفيّة ، وهي الحجر يوضع عليه القدر للطبخ . والدهم : السود ، ج دهماء وأدهم . ( 2 ) السغب : الجوع . ( 3 ) المنصل والمنصل : السيف ، والجمع مناصل . ( 4 ) يسحفه : يذهب به ، يقال : سحفت الريح السحاب إذا ذهبت به .