تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
إليه الأقدار ، وما أفضى إليه من كثير المناجح وقليل الأعذار ، فإنّ أدب الأمالي عن المطالعة كالصوم لا يفضّ ختامه ولا يحلّ نظامه ، إلا بعيد يطلع هلاله مبشّرا ، ويبثّ خبره في الآفاق معطَّرا ، فلو أن متكلَّفا أفطر قبل موعده ، وورد الماء قبل مورده ، لكان مفسدا لعقده ، ناكثا لعهده . كذلك المملوك أمسك حين كانت الأخبار بجانبه مشتبهة ، والحقائق لديه غير متوجّهة ، فإنّ طاغيتي الكفر بقسطنطينية وصقلَّية كانا قد أوقدا للحرب نارا ، ورفعا لها أوزارا ( 1 ) ، واتخذا لها أسطولا جاريا وعسكرا جرّارا ، وتباريا ولم يزد اللَّه الظالمين إلَّا تبارا ، وكتبا إلى الفرنج بعد انهزامهم بالنّجدة والنّصرة ، وتضمّنا لهم الخروج والكرّة ، ويصفان ما استعدّا به بما لا يعبّر عنه إلا بالكثرة ، واستطارت الشّناعة وتداولتها الألسن ، وخرجت من الأفواه حتّى لقد كادت تدخل فيما رأته الأعين ، وورد إلى المملوك رسول من طاغية القسطنطينيّة وهو أقدم ملوك النصرانية قدما ، وأكثرهم ما لا منتمى ، فعرض عليه موادعة يكون بها عسكره مودعا ، ويكون له بها مفزعا ، له ولصاحب صقلَّيّة ، الذي زعم أنه أصل للشرّ يكون الشرّ منه مفرّعا ، فلم يكن ولم يجب إلى السّلم ، ولم يزعه أن عسكره خذله اللَّه مبار في البرّ وفي اليمّ ، إن شاء اللَّه تعالى . الأسلوب السادس ( أن تفتتح المكاتبة بخطبة مفتتحة بالحمد للَّه ) وذلك يختصّ بالفتوح وغيرها مما حدث فيه نعمة ، وربما بدئت بآية من كتاب اللَّه ، كما كتب العماد الأصفهانيّ ( 2 ) عن السلطان « صلاح الدين
هامش
( 1 ) رفع أوزار الحرب : أشعلها ، والأوزار : ج وزر وهو السلاح لثقله على حامله . وقولهم : وضعت الحرب أوزارها : أي انقضت . ( 2 ) هو أبو عبد اللَّه محمد بن صفي الدين بن هبة اللَّه ، الملقب عماد الدين ، الكاتب الأصفهاني . كان فقيها شافعي المذهب . نشأ بأصبهان وقدم بغداد في حداثته ، ثم انتقل إلى دمشق ، عرف السلطان صلاح الدين ومدحه بدمشق . أشهر تصانيفه كتاب « خريدة القصر وجريدة العصر » توفي سنة 597 ه بدمشق . انظر وفيات الأعيان ( ج 5 ص 147 - 152 ) .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 515 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين