* ( جاءَ الْحَقُّ وظَهَرَ أَمْرُ الله وهُمْ كارِهُونَ ) * ( 1 ) : * ( وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * ( 2 ) .
كانت نعمة من اللَّه يمنّها على المملوك أن انتجبه من بين أهل أرضه ، وانتخبه لإقامة ما أمات الباطل من فرضه ، ويسّره لما يسّره من نصرة الحق وأهله ، وبشّره بما بشّره من لواء النصر ومدّ من ظلَّه ، وألهمه الهمّة التي افترع منها بكرا ، ومنحه النّصرة فما يستطيع العدوّ صرفا ولا نصرا . مكَّنه من صياصيهم ( 3 ) فحلَّها ، ومن دمائهم فطلَّها ، ومن سيوفهم ففلَّها ، ومن أقدامهم فاستزلَّها ، ومن منابر دعاتهم فعجّل تداعيها ، ومن أنفس أعدائهم فأكثر تناعيها ، وأبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ؛ ويسّر الذين كتب لهم العفو إلى منافعهم ، ونثر خرزات الملك من تيجانها ، وفضح على يده وبلسانه ما زوّرته من أنسابها ، وحاسبها فأظهر زيف حسابها ، ونقلها من ظهور أسرّتها إلى بطون ترابها ، وعمد إلى أهل دعوتها الذين بسقوا بسوق النخل فأعلاهم على جذوعها ، وحملت قلوبهم فوف ( 4 ) الحقد فأخرجها من أكمام طلوعها ، فهل ترى لهم من باقية ، أو تسمع لهم من لاغية ، أو تجد إليهم من صاخية ، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم أو مساكينهم ، وحصدوا حصد الحشيش ثم لا تخاف سيوفهم ولا سكاكينهم .
واستنزلوا من عقاب اللَّوح ، وسجنوا في الهمّ من طول مداومة عقاب الرّوح ، ثم تداركوا إلى الدّرك ، واشتركوا في الشّرك ، وأقفرت منهم عراص ، وزهدت فيهم خواص ، وعلم أن ليس للَّه غالب ، وأن ليس يفوته طالب ، وأنّ الملك للَّه وحده ، وأنّ الويل لمن تجاوز أمره وحدّه .
هامش
( 1 ) سورة التوبة 9 ، الآية 48 . والآية في القرآن الكريم : حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وظَهَرَ أَمْرُ اللَّه وهُمْ كارِهُونَ
( 2 ) سورة هود 11 ، الآية 16 .
( 3 ) الصياصي : ج صيصة وهي الحصن وكل ما امتنع به .
( 4 ) الفوف : القشرة التي على حبّة القلب .