تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
على طول ما تشتمل الوحي تنتعل الوجى ( 1 ) ، والأيام زاهرة ، والآيات باهرة ، وعزّة أوليائها قاهرة ، وذلَّة أعدائها ظاهرة ، وعنايات اللَّه لديها متوالية متظاهرة ، إذا تغرّب اسمها يوما عن منبر أعيد إلى وطنه غدا ، وإذا أوقدت نار فتنة في معصيتها أوقدت في طاعتها نار هدى . وقد كان النيل قدما فرّت عن الفرات أبناؤه ، وتحصّنت غلل ( 2 ) المؤمنين عنه فلم يتغلغل إليها ماؤه ، وكادت السماء لا تعينه بمطرها ، والأرض لا توشّيه بزهرها ، والأعناق قد تقاصر دون الراجين بدو منعصها ( 3 ) ، والقلوب قد لاذت بأستار الجدار معضها ( 4 ) ، والأوثان منصوبه ، والآيات مغصوبه ، والتّيجان بغير أكفائها من الهامات معصوبه ، والَّدين أديانا ، والمذكَّرون بالآيات يخرّون عليها صمّا وعميانا ، والعادلون باللَّه قد وطَّنوا ألسنة وصرّحوا عقائد ، والمعتدون قد أضلَّوا فعالا وضلَّوا مقاصد ، وكراسيّ خلافة اللَّه قد ألقي عليها أجساد كانت تقعد منها مقاعد ، ومنابر كلمات اللَّه قد كاد كيدهم يأتي بنيانها من القواعد ، وجرت على بنوة النّبوة أشدّ نبوة ، وقصرت الأيدي فلا حدّ سوط ولا حدّ سطوه ، ثم قست قلوب * ( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) * ( 5 ) وغرّت الأيّام وما وعدت ، وأوردت الهمم وما أصدرت ، وطغى طوفان الطَّغيان ولا عاصم ، وسما بناء البهتان ولا هادم ، وضاقت الصّدور ، ورحلت بغليلها إلى القبور ، وظنّ أنّ طيّ دولتهم معدوق بالنّشور ، حتّى إذا جلَّاها اللَّه لوقتها ، وأنجز جموع الضّلال إلى ميعاد شتّها ، وأراهم آية معدلته * ( وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها ) * ( 6 )
هامش
( 1 ) الوحي : العجلة والإسراع . والوجى : الحفى ، وجي الماشي يوجى وجى : حفي . ( 2 ) الغلل : ج غلَّة وهي العطش ، أو شدّته . ( 3 ) كذا في الأصول بهذا الرسم . حاشية الطبعة الأميرية . ( 4 ) كذا في الأصول بهذا الرسم . حاشية الطبعة الأميرية . ( 5 ) سورة البقرة 2 ، الآية 74 . ( 6 ) سورة الزّخرف 43 ، الآية 48 .