تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
العواصف ، * ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) * ( 1 ) وعوتبت الأنفس والأرؤس * ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) * ( 2 ) . وظلَّت قحاف ( 3 ) بني حام تحت غربان الفلا غربانا ، وشوهدت ظلمات بعضها فوق بعض أفعالا وألوانا ، وصفت موارد السلطان من القذى ، وطفيء ذلك الفحم فلا يجد النّفاق بعده ما تتعلق به الجذى ( 4 ) ، وبلغت الغايات في كشف كلّ أذى ، لا بضرب بموعد يقال فيه إذا . وكاتب المملوك ، واسم أمير المؤمنين قد كتب سطره على جبين النقدين ، وسمع لفظه من فم المنبرين بالبلدين ، ومدّ كلّ منبر يدا بل يدين ، فحين سمع الناس قالوا حقّا ما قاله ذو اليدين ، وصارت تلك الأسماء دبر الآذان ووراء الظَّهور ، وحصّلت المحبّة العباسية سرّا من أسرار القلوب إذا حصّل ما في الصّدور ، والخلائق مبايعة متابعة وافية بعهده متوافية ، داخلون في الحق أفواجا ، سالكون منه شرعة ومنهاجا . والحمد للَّه الذي جعل أمير المؤمنين إماما لخلقه ، ووارثا لأرضه ولم يذر فوق الأرض منازعا لحقّه ، ولا مناهبا لأرضه ، وارتجع له الحقّ الذي كان نادّا ، وردّ عليه الأمر الذي لم يكن له غير اللَّه رادّا ، وبلَّغ كلّ مؤمن من إعلاء كلمة الإيمان به ما كان له وادّا ، وأخذ بيد انتقامه من كان عن سبيله صادّا ، والإسلام قد استنار كنشأته ، والزمان قد استدار كهيئته ، والحقّ قد قرّ في نصابه ، والأمر قد فرّ عن صوابه ، فقد وفي اللَّه القرار له بضمانه ، وأخذ بيده ما روى عن ابن عمه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصفى من لسانه .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء 26 ، الآية 4 . ( 2 ) سورة فصّلت أو سورة السجدة 41 ، الآية 11 . ( 3 ) القحاف : الجماجم ، والمقصود هنا الرؤوس . ( 4 ) الجذى ، بضم الجيم وكسرها : ج جذوة بكسر الجيم وفتحها ، وهي الجمرة أو القبسة من النار .