عن اللَّه ضيف كرمك ، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك ، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك ! وإنّي لمّا عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك ، وعدتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك وأصبحت ما بين بحر تتلاطم أمواجه ، وعدوّ تتكاثف أفواجه ، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه في طائفة من المؤمنين بك وطَّنوا على الصّبر نفوسهم ، وجعلوا التوكَّل على اللَّه وعليك لبوسهم ( 1 ) ، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم ، واستعذبوا في مرضاة اللَّه تعالى ومرضاتك بوسهم ، يطيرون من هيعة إلى أخرى ، ويتلفّتون والمخاوف يمنى ( 2 ) ويسرى ، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى ، لا يبلغون من عدوّ كالذّرّ عند انتشاره معشار معشاره ( 3 ) ، قد باعوا من اللَّه تعالى الحياة الدّنيا ، لأن تكون كلمة اللَّه تعالى هي العليا ، فيا له من سرب مروع ، وصريخ إلا عنك ( 4 ) ممنوع ، ودعاء إلى اللَّه وإليك مرفوع وصبية حمر الحواصل ، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل ، والصليب قد تمطَّى ومدّ ( 5 ) ذراعيه ، ورفعت الأطماع بضبعيه ، وقد حجبت بالقتام السّماء ، وتلاطمت أمواج الحديد ، والبأس الشديد فالتقى الماء ، ولم يبق إلا الذّماء ( 6 ) ، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظَّنون ، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتّى تكاد تراه ( 7 ) العيون ، إلى أن نلقاك غدا إن شاء اللَّه تعالى وقد أبلينا العذر ، وأرغمنا الكفر ، وأعملنا في سبيل
هامش
( 1 ) اللبوس : الدرع . وفي سورة الأنبياء 21 ، الآية 80 وعَلَّمْناه صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي عمل الدرع ، سمّيت بذلك لأنها تلبس . أنظر تفسير الجلالين .
( 2 ) في نفح الطيب ( ج 6 ص 358 ) : « ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى » .
( 3 ) في المصدر السابق : « هو الذرّ عند انتشاره ، عشر معشاره » .
( 4 ) في نفس المصدر : « إلَّا منك » .
( 5 ) في نفح الطيب ( ج 6 ص 359 ) : « فمدّ » .
( 6 ) الذماء ، بفتح الذال : بقية الروح في المذبوح وبقية النفس .
( 7 ) في نفح الطيب : « تشاهده العيون » .