ومضايق الطَّرق وخلف الأودية ومن وراء الأنهار ، وحيث لا تنالهم الخيل ، حصنا للمطاولة وانتظارا للدوائر ، فكادهم اللَّه عند ذلك وهو خير الكائدين ، واستدرجهم حتّى جمعهم إلى حصنهم معتصمين فيه عند أنفسهم ، فجعلوا اعتصامهم لحين ( 1 ) لهم ، وصنع لأوليائه وإحاطة منه به تبارك وتعالى ، فجمعهم وحصرهم لكي لا تبقى منهم بقيّة ولا ترجى لهم عاقبة ، ولا يكون الدين إلا للَّه ، ولا العاقبة إلا لأوليائه ، ولا التعس والنّكس ( 2 ) إلا لمن خذله .
فلما حصرهم اللَّه وحبسهم عليهم ودانتهم مصارعهم ، سلَّطهم اللَّه عليهم كيد واحدة ، يختطفونهم بسيوفهم ، وينتظمونهم برماحهم ، فلا يجدون ملجأ ولا مهربا . ثم أمكنهم من أهاليهم وأولادهم ونسائهم وحرمهم وصيّروا الدار دارهم والمحلة محلَّتهم ، والأموال قسما بينهم ، والأهل إماء ( 3 ) وعبيدا . وفوق ذلك كلَّه ما فعل بهؤلاء وأعطاهم من الرحمة والثواب ، وما أعدّ لأولئك من الخزي والعقاب ، وصار الكافر بابك لا فيمن قتل فسلم من ذلّ الغلبة ، ولا فيمن نجا فعاين في الحياة بعض العوض ، ولا فيمن أصيب ، فيشتغل بنفسه عن المصيبة بما سواه ، لكنه سبحانه وتعالى أطلقه وسدّ مذاهبه ، وتركه ملدّدا ( 4 ) بين الذّل والخوف ، والغصّة والحسرة ، حتّى إذا ذاق طعم ذلك كلَّه وفهمه ، وعرف موقع المصيبة ، وظنّ مع ذلك كلَّه أنه على طريق من النجاة ، فأضرب اللَّه وجهه ، وأعمى بصره ، وسدّ سبيله ، وأخذ بسمعه وبصره ، وحازه إلى من لا يرقّ له ، ولا يرثي لمصرعه ، فامتثل ما أمر به الأفشين ( حيدر بن طاوس ( 5 ) )
هامش
( 1 ) الحين بفتح الحاء : الهلاك .
( 2 ) التعس : الشرّ ، يقال : تعسا لفلان ونكسا : دعاء عليه .
( 3 ) الإماء : ج أمة ، بالفتح ، وهي المملوكة .
( 4 ) ملدّدا : حائرا ؛ يقال : لدّد فلانا : حيّره .
( 5 ) في الكامل في التاريخ ( ج 6 ص 447 ) : « حيدر بن كاوس » ، وفي وفيات الأعيان ( ج 5 ص 123 ) : « خيدر بن كاوس » . قال ابن خلكان : الأفشين بكسر الهمزة وفتحها ، واسمه خيذر ، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء وفتح الذال المعجمة . وأضاف : كان الأفشين مقدّم قوّاد المعتصم .