ويقع التعدّد فيها بحسب ما تقتضيه النعمة ، وغالب ما يكون ثلاث مرات ، وربما وقع التحميد في أوّل الكتاب وآخره .
وهذه نسخة كتاب من هذا النوع كتب بها عن المعتصم ( 1 ) إلى ملوك الآفاق من المسلمين عند قبض الأفشين على بابك ( 2 ) ملك الروم ، وهي :
أما بعد ، فالحمد للَّه الذي جعل العاقبة لدينه ، والعصمة لأوليائه ، والعزّ لمن نصره ، والفلج لمن أطاعه ، والحقّ لمن عرف حقّه ، وجعل دائرة السّوء على من عصاه وصدف عنه ، ورغب عن ربوبيته ، وابتغى إلها غيره . لا إله إلا هو وحده لا شريك له . يحمده أمير المؤمنين حمد من لا يعبد غيره ، ولا يتوكَّل إلا عليه ، ولا يفوّض أمره إلَّا إليه ؛ ولا يرجو الخير إلا من عنده ، والمزيد إلا من سعة فضله ، ولا يستعين في أحواله كلَّها إلا به . ويسأله أن يصلَّي على محمد عبده ورسوله ، وصفوته من عباده ، الذي ارتضاه لنبوته ، وابتعثه بوحيه واختصّه بكرامته ، فأرسله بالحق شاهدا ومبشّرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا . والحمد للَّه الذي توجّه لأمير المؤمنين بصنعه ، فيسّر له أمره ، وصدق له ظنّه ، وأنجح له طلبته ( 3 ) ، وأنفذ له حيلته ، وبلَّغ له محبّته ، وأدرك المسلمون بثأرهم على يده ، وقتل عدوّهم ، وأسكن روعتهم ، ورحم فاقتهم ، وآنس
هامش
( 1 ) هو أمير المؤمنين محمد بن هارون المعتصم بن الرشيد . بويع بعد المأمون سنة 218 ه كان ذا شجاعة وهمة ، وكان يقال له « المثمّن » لأنه ثامن خلفاء بني العباس ، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر ، وقتل ثمانية أعداء ، منهم بابك والأفشين . أنظر فوات الوفيات ( ج 4 ص 48 ) .
( 2 ) قبض الأفشين على بابك الخرّميّ سنة 223 ه ، وأدخله دار المعتصم ، فأمر المعتصم بضرب عنقه ، وصلبه في الجانب الشرقي بين الجسرين . وكان الذين أسروا مع بابك ، ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي . وفي سنة 225 ه غضب المعتصم على الأفشين فعزله عن الحرس وحبسه ، فمات في الحبس سنة 226 ه . فأخرجوه وصلبوه ثم ألقي وأحرق بالنار . أنظر الكامل في التاريخ ( ج 6 ص 477 - 478 ، 510 ، 516 ، 518 ) وتاريخ ابن خلدون ( ج 5 ص 548 - 556 و 568 - 572 ) .
( 3 ) الطلبة ، بفتح الطاء وكسر اللام وفتح الباء : ما طلبته من شيء .