تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
في ذات أيديهم ؛ فلم يتواف إليهم قوّاد السلطان إلا وقد توافت إليهم القوّة من كل جانب ، فاستفحل أمرهم ، وعظمت شوكتهم ، واشتدّت ضروراتهم واستجمع لهم كيدهم ، وكثر عددهم واعتدادهم ، وتمكَّنت الهيبة في صدور الناس منهم ، وتحقّق في نفوسهم أن كلّ ما يعدهم الكافر ويمنّيهم أخذ باليد . وكان الذي بقي عندهم منه كالذي مضى ، وبدون هذا ما يختدع الأريب ويستنزل العاقل ويعتقل الفطن ، فكيف بمن لا فكرة له ، ولا رويّة عنده ؟ هذا مع كل ما يقوم في قلوبهم من حسد أهل النّعم ، ومنافستهم على ما في أيديهم ، وتقطَّعهم حسرات في إثر ما خصّوا به ، وأنهم إن لا يكونوا يرون أنفسهم أحقّ بذلك ، فإنهم يرون أنّهم فيه سواء . ولم يزل أمير المؤمنين قبل أن تفضي إليه الخلافة مادّا عنقه ، موجّها همته إلى أن يولَّيه اللَّه أمر هؤلاء الكفرة ويملَّكه حربهم ، ويجعله المقارع لهم عن دينه ، والمناجز لهم عن حقّه ، فلم يكن يألو في ذلك حرصا وطلبا واحتيالا ، فكان أمير المؤمنين رضي اللَّه عنه يأبى ذلك لضنّه به ، وصيانته بقربه ، مع الأمر الذي أعدّه اللَّه له وآثره به ؛ ورأى أنّ شيئا لا يفي بقوام الدين وصلاح الأمر . فلما أفضى اللَّه إلى أمير المؤمنين بخلافته وأطلق الأمر في يده ، لم يكن شيء أحبّ إليه ولا آخذ بقلبه من المعاجلة للكافر وكفرته ، فأعزه اللَّه وأعانه اللَّه ، فللَّه الحمد على ذلك وتيسّره ، فأعدّ من أمواله أخطرها ، ومن قوّاد جيشه أعلمهم بالحرب وأنهضهم بالمعضلات ، ومن أوليائه وأبناء دعوته ودعوة آبائه - صلوات اللَّه عليهم - أحسنهم طاعة ، وأشدّهم نكاية ، وأكثرهم عدّة . ثم أتبع الأموال بالأموال ، والرّجال بالرجال ، من خاصّة مواليه وعدد غلمانه ، وقبل ذلك ما اتكل عليه من صنع اللَّه جلّ وعزّ ، ووجه إليه من رعبته . فكيف رأى الكافر اللعين وأصحابه الملاعين ؟ ألم يكذب اللَّه ظنونهم ، ويشف صدور أوليائه منهم ؟ يقتلونهم كيف شاؤوا في كل موطن ومعترك ، ما دامت عند أنفسهم مقاومة . فلما ذلَّوا وقلَّوا وكرهوا الموت ، صاروا لا يتراؤن إلا في رؤوس الجبال