أما بعد ، أطال اللَّه بقاءك ! وأدام عزّك وتأييدك وسعادتك ونعمتك ، وأحسن حفظك وكلاءتك ورعايتك ؛ وأمتع أمير المؤمنين بك ، وبالنعمة الجليلة والموهبة الجزيلة والمنحة النّفيسة فيك وعندك ، ولا أخلاه منك ! ، فإن أولى من ادّرع للحوادث جبّة الاصطبار ، ونظر أحوال الدنيا في تقلَّبها بعين الاعتبار ، ورجع إلى اللَّه تعالى في قدره وقضائه ، وسلَّم لأمره الذي لا رادّ له في امتحانه وابتلائه ، وعرف أنّ له سبحانه في كلّ ما يجريه على عباده حكمة باطنة ، ومصلحة كامنة ، من خير عاجل ينشره ، وثواب آجل يؤخّره لهم إلى يوم الجزاء ويدّخره ، وفائدة هو أدرى بها وأعلم ، وفعله فيها أتقن وأحكم ، من خصّه بما خصّك اللَّه به من الدين الراجح ، والخلق الصالح ، والمعتقد الواضح ، والنّعم التي جادك في كلّ يوم مقام سحابها ، واتسعت بين يديك عند مضايق الأمور رحابها ، وأنست إذا استوحشت من العاجزين عن ارتباطها بالشّكر صحابها ؛ والمناقب التي فرعت بها صهوات المجد ، وتملَّكت رقّ الثناء والحمد ؛ وعلوت فيها عن المساجل والمطاول ، وبعد ما حضر لك منها عن أن تناله يد القائم المحاول . وتأدّى إلى حضرة أمير المؤمنين - أمتعه اللَّه ببقائك ، ودافع له عن حوبائك ( 1 ) - نبأ الحادثة بسليلك الذي اختار اللَّه له كريم جواره ، فأحبّ له الانتقال إلى محلّ الفوز ومداره ، فوجد لذلك وجوما موفّرا ، وهمّا للسّكون منفّرا ؛ وتوزّعا تقتضيه المشاركة لك فيما ساويته ( ؟ ) والمساهمة الحاصلة في كل ما حلا من الأمور وأمرّ ، وأمر عند ورود هذا الخبر بالتصدّي للعزاء ، وإعلان ما يعلن عن مقاسمتك في الضّرّاء - دفعها اللَّه عنك - والسّرّاء ؛ وندب جمعا من الخدم المطيفين بشريف سدّته ، المختصين بعزيز خدمته ؛ بتعزّ يتصوّنه لباس التعزية ، ويستدني بتقمّصه عازب التسلية ، إبانة عن انصراف الهمم الإماميّة إليك فيما خصّ وعمّ من حالك ، واستجلابه لك دواعي المسارّ في حلَّك
هامش
( 1 ) الحوباء : النفس ، من الحوب وهو الإثم ، كما يقال لها الأمّارة بالسوء ، وهو من قوله : وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ سورة يوسف 12 ، الآية 53 .